الأحد، 15 يونيو 2014

عن تنوع المجموعات البشرية في المكسيك

عن تنوع المجموعات البشرية في المكسيك



"Strength lies in differences, not in similarities" 
Stephen Covey

نشرت دورية ساينس قبل يومين دراسة علمية حول تنوع المجموعات البشرية في المكسيك (انظر هُنا، وهُنا).

في هذه الدراسة المستفيضة قام باحثون بتحديد مقدار الاختلاف بين بعض مجموعات السُكان الأصليين في المكسيك. لقد اتضح أن هذا الاختلاف يكافيء في مقداره ذلك الموجود بين الأوربيين واليابانيين على سبيل المثال. يؤشر هذا الاختلاف على انفصال هذه المجموعات عن بعضها البعض منذ فترة طويلة جداً، وعدم وجود تزواج بين أفرادها.

أيضًا وجد الباحثون أنه يمكن تحديد أي مجموعات السكان الأصليين كانت سلفاً للمجموعات البشرية الهجينة -تلك التي اختلط فيها السكان الأصليون بالأوروبيين والأفارقة- الحالية، ما مكَن من التعرف على اتجاهات الهجرة بين المجتمعات المنفصلة في المكسيك التي تشكلت بعد وصول كولومبوس إليها.

تشير الدراسة كذلك إلى أن هذا التنوع على المستوى الجيني بين هذه المجموعات المختلفة من السكان الأصليين يُترجم إلى اختلافات وظيفية تظهرها أعضاء أجساد هؤلاء البشر.

ينبغي لنا نحن -القاطنين في المنطقة العربية- أن نتدارس نتائج الأبحاث العلمية، كونها تقربنا أكثر لفهم الطبيعة ولفهم تاريخنا، وكونها تنبئنا عن حقائق قد تمكن مجتمعاتنا من التكيف المناسب لما يقتضيه العصر وتستوجبه المصلحة.

في ضوء نتائج هذه الدراسة، وعموم نتائج علم جينات المجموعات Population Genetics، ينبغي أن نطرح أسئلتنا الخاصة، تلك الآتية من مجتمعنا وتاريخه. 

على ضوء الفهم العلمي ينبغي أن ندرس القضية القبلية في مجتمعنا. هل القبائل حقاً مختلفة على المستوى الجيني؟ وإن وُجدَ الاختلاف، فما هي طبيعته؟ هل هو اختلاف متساوق مع التأريخ القبلي، أم مرتبط بهجرات واسعة لا تقيم اعتبار كبيراً للفروقات القبلية؟

يمكننا كذلك أن نستفهم عن دور التنوع الجيني الذي يجلبه الوافدون الجدد إلى المجتمع. فبشكل عام يأشرُ التنوع الجيني في مجموعة ما على ديناميتها، وتكيفها المستمر مع التحديات الأحيائية (كالأمراض أو تغير نوعية الغداء) من خلال استقبالها لجينات جديدة تزيد تنوعها الوظيفي.

لعلّ العلم الطبيعي، وليس الجدل الفلسفي، هو ما سيقرب شعوبنا من فهم تاريخها وواقعها واستشراف حال مستقبلها، ولعله سيكون الدافع الأكبر وراء التغيير الفكري المأمول. 

لعلنا سنقوم، مدفوعين بفهم علمي راسخ، بإعادة تشكيل مفاهيمنا التي نرى بها العالم والطبيعة. إنه فرضٌ مازلنا نأجله منذ زمن بعيد.

الاثنين، 2 يونيو 2014

تطوُّر

تطوُّر

من فرطِ تطوري
لم أستطع العيش في الغابة!

رصاص من نحاس العدم، حسين العبري
.

"وكل من يريد أن يكون مبدعاً في الخير وفي الشر، عليه أن يكون أولاً مدمراً، وأن يحطم القيم.

هكذا هو الشر الأعظم جزء من الخير الأعظم: لكن ذلك هو الخير المبدع.

لنتكلم عن ذلك يا صفوة الحكماء، وإن كان ذلك شنيعاً فالصمت أشنع، ذلك أن كل الحقائق المكتومة تتحول إلى سموم.

وليتحطم كل ما يمكن- أن يتحطم تحت وطأة حقيقتنا! فهناك دوماً بيت للبناء على الأنقاض".

هكذا تكلم زرادشت، نيتشه

ما يدهشني دوماً في "رصاص من نحاس العدم" هو الوعي الشديد الذي أبداه مؤلفه حسين العبري تجاه اللغة. في المثال الأعلى يلعب العبري على مفهومين اثنين للتطور. الأول هو التطور الطبيعي لتاريخ الإنسان الذي قدم من الغابات مؤسساً للحضارة. الثاني هو التطور الاجتماعي حيث تتطور المجتمعات البشرية من البادية إلى الريف والزراعة انتهاء لحياة المدينة. إنه التطور الاجتماعي الذي يخاطب العبري القاريء من خلاله، لكنه يخفي التطور الطبيعي في ثنايا نصه.


وفي المعنيين تؤرخ اللغة فهمنا للمفردات.

لعل فكرة الصراع قديمة، لكنها ظهرت بارزة مؤطرة في فلسلفتي كارل ماركس (وهيجل من قبله) ونيتشه إضافة لنموذج تشارلز دارون للتطور الطبيعي. 
ويعكس النص الثاني أحد الأفكار الرئيسية في فلسفة نيتشه، وهي الصراع المستمر، صراع الأضداد المؤدي لتطور الحياة. ويكون هذا الصراع في أعلى صوره الجمالية حينما يكون صراع أفكار ورؤى، حيث يضحمل الغير نافع بينما ينمو المفيد.



هكذا هي الحياة. يموت الحيُ ليحيا ميتٌ.