الأربعاء، 19 أغسطس 2015

I'm Working on the World



I'm working on the world,
revised, improved edition,
featuring fun for fools,
blues for brooders,
combs for bald pates,
tricks for old dogs.

Here's one chapter: The Speech
of Animals and Plants.
Each species comes, of course,
with its own dictionary.
Even a simple "Hi there,"
when traded with a fish,
make both the fish and you
feel quite extraordinary.

The long-suspected meanings
of rustlings, chirps, and growls!
Soliloquies of forests!
The epic hoot of owls!
Those crafty hedgehogs drafting
aphorisms after dark,
while we blindly believe
they are sleeping in the park!

Time (Chapter Two) retains
its sacred right to meddle
in each earthly affair.
Still, time's unbounded power
that makes a mountain crumble,
moves seas, rotates a star,
won't be enough to tear
lovers apart: they are
too naked, too embraced,
too much like timid sparrows.

Old age is, in my book,
the price that felons pay,
so don't whine that it's steep:
you'll stay young if you're good.
Suffering (Chapter Three)
doesn't insult the body.
Death? It comes in your sleep,
exactly as it should.

When it comes, you'll be dreaming
that you don't need to breathe;
that breathless silence is
the music of the dark
and it's part of the rhythm
to vanish like a spark.
Only a death like that. A rose
could prick you harder, I suppose;
you'd feel more terror at the sound
of petals falling to the ground.

Only a world like that. To die
just that much. And to live just so.
And all the rest is Bach's fugue, played
for the time being
on a saw.

- from Poems New and Collected, by Wislawa Szymborska / Translated by Stanislaw Baranczak
* The painting is Noah's Ark Genesis by Charles Mcgee

الأحد، 15 يونيو 2014

عن تنوع المجموعات البشرية في المكسيك

عن تنوع المجموعات البشرية في المكسيك



"Strength lies in differences, not in similarities" 
Stephen Covey

نشرت دورية ساينس قبل يومين دراسة علمية حول تنوع المجموعات البشرية في المكسيك (انظر هُنا، وهُنا).

في هذه الدراسة المستفيضة قام باحثون بتحديد مقدار الاختلاف بين بعض مجموعات السُكان الأصليين في المكسيك. لقد اتضح أن هذا الاختلاف يكافيء في مقداره ذلك الموجود بين الأوربيين واليابانيين على سبيل المثال. يؤشر هذا الاختلاف على انفصال هذه المجموعات عن بعضها البعض منذ فترة طويلة جداً، وعدم وجود تزواج بين أفرادها.

أيضًا وجد الباحثون أنه يمكن تحديد أي مجموعات السكان الأصليين كانت سلفاً للمجموعات البشرية الهجينة -تلك التي اختلط فيها السكان الأصليون بالأوروبيين والأفارقة- الحالية، ما مكَن من التعرف على اتجاهات الهجرة بين المجتمعات المنفصلة في المكسيك التي تشكلت بعد وصول كولومبوس إليها.

تشير الدراسة كذلك إلى أن هذا التنوع على المستوى الجيني بين هذه المجموعات المختلفة من السكان الأصليين يُترجم إلى اختلافات وظيفية تظهرها أعضاء أجساد هؤلاء البشر.

ينبغي لنا نحن -القاطنين في المنطقة العربية- أن نتدارس نتائج الأبحاث العلمية، كونها تقربنا أكثر لفهم الطبيعة ولفهم تاريخنا، وكونها تنبئنا عن حقائق قد تمكن مجتمعاتنا من التكيف المناسب لما يقتضيه العصر وتستوجبه المصلحة.

في ضوء نتائج هذه الدراسة، وعموم نتائج علم جينات المجموعات Population Genetics، ينبغي أن نطرح أسئلتنا الخاصة، تلك الآتية من مجتمعنا وتاريخه. 

على ضوء الفهم العلمي ينبغي أن ندرس القضية القبلية في مجتمعنا. هل القبائل حقاً مختلفة على المستوى الجيني؟ وإن وُجدَ الاختلاف، فما هي طبيعته؟ هل هو اختلاف متساوق مع التأريخ القبلي، أم مرتبط بهجرات واسعة لا تقيم اعتبار كبيراً للفروقات القبلية؟

يمكننا كذلك أن نستفهم عن دور التنوع الجيني الذي يجلبه الوافدون الجدد إلى المجتمع. فبشكل عام يأشرُ التنوع الجيني في مجموعة ما على ديناميتها، وتكيفها المستمر مع التحديات الأحيائية (كالأمراض أو تغير نوعية الغداء) من خلال استقبالها لجينات جديدة تزيد تنوعها الوظيفي.

لعلّ العلم الطبيعي، وليس الجدل الفلسفي، هو ما سيقرب شعوبنا من فهم تاريخها وواقعها واستشراف حال مستقبلها، ولعله سيكون الدافع الأكبر وراء التغيير الفكري المأمول. 

لعلنا سنقوم، مدفوعين بفهم علمي راسخ، بإعادة تشكيل مفاهيمنا التي نرى بها العالم والطبيعة. إنه فرضٌ مازلنا نأجله منذ زمن بعيد.

الاثنين، 2 يونيو 2014

تطوُّر

تطوُّر

من فرطِ تطوري
لم أستطع العيش في الغابة!

رصاص من نحاس العدم، حسين العبري
.

"وكل من يريد أن يكون مبدعاً في الخير وفي الشر، عليه أن يكون أولاً مدمراً، وأن يحطم القيم.

هكذا هو الشر الأعظم جزء من الخير الأعظم: لكن ذلك هو الخير المبدع.

لنتكلم عن ذلك يا صفوة الحكماء، وإن كان ذلك شنيعاً فالصمت أشنع، ذلك أن كل الحقائق المكتومة تتحول إلى سموم.

وليتحطم كل ما يمكن- أن يتحطم تحت وطأة حقيقتنا! فهناك دوماً بيت للبناء على الأنقاض".

هكذا تكلم زرادشت، نيتشه

ما يدهشني دوماً في "رصاص من نحاس العدم" هو الوعي الشديد الذي أبداه مؤلفه حسين العبري تجاه اللغة. في المثال الأعلى يلعب العبري على مفهومين اثنين للتطور. الأول هو التطور الطبيعي لتاريخ الإنسان الذي قدم من الغابات مؤسساً للحضارة. الثاني هو التطور الاجتماعي حيث تتطور المجتمعات البشرية من البادية إلى الريف والزراعة انتهاء لحياة المدينة. إنه التطور الاجتماعي الذي يخاطب العبري القاريء من خلاله، لكنه يخفي التطور الطبيعي في ثنايا نصه.


وفي المعنيين تؤرخ اللغة فهمنا للمفردات.

لعل فكرة الصراع قديمة، لكنها ظهرت بارزة مؤطرة في فلسلفتي كارل ماركس (وهيجل من قبله) ونيتشه إضافة لنموذج تشارلز دارون للتطور الطبيعي. 
ويعكس النص الثاني أحد الأفكار الرئيسية في فلسفة نيتشه، وهي الصراع المستمر، صراع الأضداد المؤدي لتطور الحياة. ويكون هذا الصراع في أعلى صوره الجمالية حينما يكون صراع أفكار ورؤى، حيث يضحمل الغير نافع بينما ينمو المفيد.



هكذا هي الحياة. يموت الحيُ ليحيا ميتٌ.

الاثنين، 26 مايو 2014

رُمانة الجبل الأخضر

رُمانة الجبل الأخضر


من المياه تخون البرك
 لعوض اللويهي

 لا يعنيكِ البتّةَ
أن يكون الجفافُ قرينَ
قشرتكِ الخارجيةِ

المهمُ أن يبقى جوفكِ
رطباً 
ونابضًا بالحياةِ

داخلكُ طافحٌ بالنداوة
لكأنّ يدَ قاطفكِ
أودعتْ فيكِ سيلانَ الحياةِ
وخلاصة الديمومةِ

الأحد، 2 فبراير 2014

عام جديد

عام جديد*


أيَّتُها الأمُ
لا نُريدُ منكِ سوى أن تبقي
خضراءَ
وأن نسمعَ من البعيدِ
صوتَ الريح وهي تتكسرُ
بين أغصانكِ
المياهُ تخونُ البرك، لعوض اللويهي


وُلِدَ العام مرة أخرى، وسيولد طالما وُجدَ من يعُدُّ. 

لهذه السنة، كما للسنة المنصرمة، وضعتُ عدة أولويات. أودُ إضافة أبعاد جديدة في تجربتي: جديد في الشعر والموسيقى والقراءات والأنشطة. للجديد أكثر من فائدة، فهو يغني المرء خبرة، ويُنشطُ عصبونات قشرته المخية (فتقل احتمالات الخرف والزهايمر). ووفاءً لهذا النهج أهديتُ صديقاً أعمال محمود درويش الكاملة، سأتوقف عن القراءة له. لقدُ عرفتُ لغة درويش وتجربته، وحان الأوان لمنشد آخر في الوجود (في شعر عوض اللويهي جمال مدهش سأتطرقُ له مستقبلاً).

إن كانت الكلمة رصاصة في أحيان كثيرة، فالموسيقى حياة. وكالعطر، ينتقي البشر موسيقاهم. ولحسن حظي أني مررتُ بطرق وتقاطعات كثيرة جمعتني بالعديد من البشر لأسمع أنغاماً مختلفة من مناطق شتى. غير أن الموسيقى ليست للسماع، بل لبُعد جديد في الحياة.

سوف أكتبُ في هذه المدونة أكثر، ولذلك سأعيدُ تأثيثها، فأغير الخطوط والألوان وأضع صناديقاً بها بعض الجدوى.

ووفاءً للموسيقى الجديدة هنا قطعة رائعة (يعزفها صديق على قيثارته ببراعة):


*الصورة من تصويري، من شاطيء صُحار




السبت، 16 نوفمبر 2013

حلكة

حلكة

كل هذا النور
ولا شعاعَ يُمزِّقُ غشاء حلكتي!

رصاص من نحاس العدم لحسين العبري

الاثنين، 4 نوفمبر 2013

في ذكرى رحيل صديق

في ذكرى رحيل صديق

And eternal delight and deliciousness will be his, who coming to lay him down, can say with his final breath — O Father! — chiefly known to me by Thy rod — mortal or immortal, here I die. I have striven to be Thine, more than to be this world’s, or mine own. Yet this is nothing: I leave eternity to Thee; for what is man that he should live out the lifetime of his God?
Moby Dick

ما الذي يمكن كتابته؟ 
لقد عبر بنا الزمن، ولا نزال نعيش وقع الماضي. إنه وجدان، وذكرى، واشتياق.

ما الذي يمكن كتابته؟
لا شيء. لا شيء يعيدُ ما مضى. أأحتجُ؟ حائر بين الجدوى والرغبة. 

رحلَ صديق (وَهُمُ قليل (الأصدقاء وليس الرحيل)). لعلَ كات ستيفنز يصفُ المعنى أكثر مني:

كل امرئ - ولو لمرة-  
 يحتاج لصديق

حضنتني مرة
فاطمئننت

ما الذي حدث؟
لا أعرفُ
 ولازلت لا أعرف
.

لقد مرت تلك اللحظات العزيزة على الوصف، وانقضت لحظة الفراق. هل سنلتقي؟ في الجنة؟ 
هل ستعرفني ساعتها؟ هل سأعرفك؟

لقد كبرتُ سريعاً. أسرعَ مما ينبغي. أراكَ -رغم غيابك- بكل الوضوح. أراكَ بعين لا تنسى. 


الأحد، 1 سبتمبر 2013

أراه

أراه


أرى الله
في القطرة،
كما أراه في الفكرة!

حسين العبري، رصاص من نحاس العدم
الصورة لريتشارد ماكليود

الجمعة، 30 أغسطس 2013

الجدار

الجدار

الجدار بيني وبينك،
من هنا أنا داخله وأنت خارجه،
من هناك أنت داخله وأنا خارجه.
حذار أن نفكر في هدمه،
ليست المشكلة فيه
بل المشكلة فينا،
لا يستقيم عيشنا إلا به،
لن نستطيع مواجهتنا في الخواء

حسين العبري، رصاص من نحاس العدم
الصورة لبيون باور

الجمعة، 19 أبريل 2013

توحيد المملكة

توحيد المملكة

في هذه الجمعة الخالدة
وحدَّتُ
مع صديق
بين الإنسان والذبابة
في مملكة واحدة

رُبما

رُبما


لمسة على العود، لمسةُ خافتة تذبذب جسدك. لكن اللمسات تشتد فتصير لحناً متصاعداً باتجاهات شتى: حنين وحب وتوجس. إنها موسيقى رائعة تثير حساً.

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

راقصون

راقصون

بحثتُ عن الكمال
لأولئك الراقصين على حبال الوقت
لأني من البرابرة عابري الزمن

الأحد، 14 أبريل 2013

الترانزستور الحي

الترانزستور الحي


ناشد دارون قرائه على رؤية العظمة في رؤيته للطبيعة، كيف أنه من بداية بسيطة جداً، قد تطورت -ومازالت تتطور-  أشكال لانهائية أكثر جمالاً.
شون كارول

لابد أن نقف لبعض الوقت متفكرين في تطور العلوم. هذه الوقفة البسيطة هنا هي للتأمل في "المنطق" البشري وانعكاسه على العلم الذي نصنعه إثر تقرير علمي نشر قبل أيام موثقاً تشييد أول ترانزستور حي.

نتمتع نحن البشر بقدرات منطقية "فطرية" مطبوعة بدماغنا؛ نتيجة لتركيب هذا الجهاز الساحر المسمى دماغاً. يتجلى هذه المنطق الفطري في النحو الذي تُبنى عليه لغاتنا، وفي علامات الترقيم (التي هي علامات منطقية تماماً). طُور هذا المنطق الفطري لاحقاً في الرياضيات المجردة وفي النماذج الفكرية الخالصة. إننا نرى العالم من خلال هذا الدماغ الذي اتفق أن كان على ما هو عليه. إن المعرفة المنظمة، أو ما يُسمى بالعلم، تحملُ سمات منطقنا الفطري أو المُركب.

هناك تجلي ظاهر للمنطق البشري في الأحياء الحديثة. اكتشف جاكوب ومونود في خمسينات القرن العشرين أن الجينات تعمل وفقاً لمنطق معين واضح. فالجين متوقف عن العمل إن اعترضه كابح، ويعمل إن غاب هذا الكابح، وينتج عن هذا الوضع مقبسٌ جينيٌ يمكن وصفه في الخطوط التالية:

الدائرة الجينية + (كابح)= لا نتيجة 
الدائرة الجينية + (لاكابح)= نتيجة

في العقود التي توالت اكتشف العُلماء أن مقبس جاكوب ومونود (ونظرائه) غير منعزلين في دائرة جينية واحدة، بل يشكلون دوائراً جينية غير معدودة تكمن في كل كائن حي. يمكن تشبيه مقبس جاكوب ومونود بدائرة كهربية بسيطة مسؤولة عن تشغيل مصباح في غرفة بمسقط، لكن في مسقط آلاف الدوائر الكهربية المسؤولة عن إمداد وتوزيع وتنظيم استخدام الطاقة، وهكذا هي المادة الوراثية مكونة من آلاف الدوائرة المنطقية.

استغل علماء الأحياء هذا المنطق في أبحاثهم المؤثرة. هذا المنطق، منطق جاكوب ومونود، بسيط وخطي إذ أنه يتقصر على عامل واحد في الدائرة المنطقية. يمكننا أن نرمز لهذا العامل بالرمز المنطقي "و":

دائرة جينية "و" كابح تعطي "لا نتيجة". وهكذا دواليك.

تجلى استخدام هذه الدائرة في الهندسة الوراثية في تشييد الجين المذيع Reporter Gene. فمثلاً يذيع هذا الجين لمُعد التجربة العلمية حالة جين آخر: يعمل أو لا يعمل. تمكن العُلماء باستخدام هذا المنطق البسيط من اكتشاف الكثير من الظواهر الكامنة في المواد الوراثية للكائنات الحية، وكيفية تفاعل هذه الكائنات مع البيئة المحيطة.

 لكن ظهرت جهود محمومة منذ ما يزيد على العقد لزيادة تعقيد المنطق المستخدم في دراسة الكائنات الحية. إن علاقة "و" لم تعد مرضية. لاحت في الأفق فرصة لاختراق علمي، غير أن كل المحاولات التي بذلت لم تحقق الكمال المنشود.

تغير الوضع قبل أسبوعين حينما ظهر تقرير في مجلة ساينس تحت عنوان "تضخيم البوابات المنطقية الجينية" من مختبر درو إندي من جامعة ستانفورد. يقدم مؤلفو الدراسة حلاً لمشكلة "زيادة تعقيد المنطق في دراسة الكائنات الحية" عبر اختراعهم لجهاز جيني شبيه بالترانزستور اسموه الترانزكربتور transcriptor (مشتق من عملية النسخ الأحيائية). 

يركب هذا الجهاز - المكون من أشرطة دنا وبروتينات- في المادة الوراثية للكائن الحي المطلوب، والذي كان في التقرير بكتيريا الإيكولاي. يحتوي الترانزكربتور على ٣ منصات: مدخلات input، مخرجات output، ضوابط controls، وقادر على القيام بعدة عمليات منطقية بسيطة وأخرى معقدة مثل: AND ، NAND ،OR ، NOR ، XOR ،XNOR. وإن كانت مدخلات هذا النظام "أ"، و"ب"، ومخرجاته "ج"، فيمكننا توصيف العلاقة بين المدخلات والمخرجات كالتالي:

العلاقة AND:      ٠ أ+ ٠ب = ٠ ج
                          ١ أ+ ٠ب = ٠ ج
                         ٠ أ+ ١ب = ٠ ج
                         ١ أ+ ١ب = ١ ج

العلاقة NAND: ٠ أ+ ٠ب = ١ ج
                        ١ أ+ ٠ب = ١ ج
                       ٠ أ+ ١ب = ١ ج
                       ١ أ+ ١ب = ٠ ج

العلاقة OR:      ٠ أ+ ٠ب = ٠ ج
                      ١ أ+ ٠ب = ١ ج
                      ٠ أ+ ١ب = ١ ج
                      ١ أ+ ١ب = ١ ج

العلاقة NOR:  ٠ أ+ ٠ب = ١ ج
                     ١ أ+ ٠ب = ٠ ج
                      ٠ أ+ ١ب = ٠ ج
                     ١ أ+ ١ب = ٠ ج

العلاقة XOR:  ٠ أ+ ٠ب = ٠ ج
                     ١ أ+ ٠ب = ١ ج
                      ٠ أ+ ١ب = ١ ج
                     ١ أ+ ١ب = ٠ ج
         
العلاقة XNOR: ٠ أ+ ٠ب = ١ ج
                       ١ أ+ ٠ب = ٠ ج
                       ٠ أ+ ١ب = ٠ ج
                      ١ أ+ ١ب = ١ ج

 إن ترانزكربتوراً واحداً قادر على تنفيذ العمليات المنطقية أعلاه داخل الخلية البكتيرية الحية. إنه يجعل الخلية تستخدم "منطقاً متقدماً" لمصلحتنا لا لمصلحتها. كيف يمكن أن نستفيد من مثل هذا الاختراع؟ قرأنا بالأعلى عن الفوائد الجمة التي تمتع بها المجتمع العلمي والإنسان عموماً من منطق جاكوب ومونود، لكن الفوائد القادمة ستكون مذهلة بشكل غير مسبوق. يتيح الترانزكربتور صناعة حساسات حية biosensors معقدة، لتستطيع هذه الخلايا البكتيرية "تحسس" أو "تشخيص" إشارات مختلفة لتقوم بمخرجات نختارها بعناية. إن وضعنا علاقة AND موضع العمل، يمكن مثلاً لهذه الخلايا البكتيرية المنطقية إنتاج نوعاً معيناً من الأجسام المضادة antibodies إن استشعرت -في ذات الوقت- جُزيئين  اثنين لسرطان القولون، لكنها لن تنتج هذه الأجسام إن استشعرت جزيئاً واحداً فقط. يمكن أيضًا أن تقوم هذه البكتيريا، مستخدمة العلاقة المنطقية ذاتها AND، بإرسال إشارة مضخمة لخلايا جهاز المناعة كي تقضي على السرطان عند استشعارها لهذين الجزيئين. وعلى ذات المنوال، يمكن برمجة الخلايا البكتيرية -وغيرها من الخلايا-، لإنتاج أدوية داخل الجسم، أو الكشف عن الملوثات في الجو أو مياه المجاري أو أية مهمة أخرى نختارها. لا يتخلف هذا -من حيث المنطق- عن البرامج الحاسوبية التي يبدعها المبرمجون والتي تتيح لنا القيام بوظائف عديدة ومهمة دون أن نقوم من مقعدنا.

لكن كيف سيكون الوضع إن ركبنا جهازَيْ ترانزكربتور داخل الخلية؟ سوف تتضاعف المقدرة "المنطقية" لهذه الآلة. لذلك يمكن القول أن الترانزكربتور خطوة حاسمة لتكوين جهاز كمبيوتر داخل خلية حية.

ينبغي أن نذكر هنا أن درو إندي وتلاميذه وضعوا حجرين آخرين في مسيرة صناعة الكمبيوتر الحي. تمكنوا في وقت سابق من تطوير واي فاي حيوي Bi-Fi (إنترنت)، أي أنه يمكن للخلايا البكتيرية المبرمجة إرسال outsourcing أشرطة دنا DNA معينة لخلايا بكتيرية أخرى، ويعني ذلك أنه بالإمكان إرسال واستقبال المعلومات الوراثية بين الخلايا الحية. الحجر الآخر كان تطوير خلايا بكتيرية قادرة على تخزين مادة الوراثية ما، ويشبه هذا جهاز يو إس بي USB قادر على تخزين المعلومات المطلوبة.

هذه الأسس الثلاثة، "إرسال واستقبال" و"تخزين" و"المعالجة المنطقية" للمعلومات تشكل الطلائع الأولى للكمبيوترات الحية القادمة. 

إنه منطقنا الجميل، منطق دماغنا، الذي نعكسه في العلاقات الرياضية، وفي الأجهزة المبرمجة سواء كانت مصنوعة من السيليكون أو من دنا وبروتينات.

الاثنين، 8 أبريل 2013

صفحات المعرفة

صفحات المعرفة
هذه الصفحات الإلكترونية والمطبوعة
تبصرني بجمال الكون  
وتأتي بأسرع مما يفهمه دماغي البطيء
 وبعظمة تثير فيي رهبة وحسا  
وتريني ما رآه كفيفان في المعرة وبيونس آيرس

الأربعاء، 27 مارس 2013

عابرون

عابرون

لمن رحل وفي القلب والذهن مثواه:
المرء ضيف في الحياة وإنني، ضيفٌ كذلك تنقضي الأعمار
فإذا أقمت فإن شخصي بينكم، وإذا رحلتُ فصورتي تذكار
الإمام الشافعي

الأحد، 24 مارس 2013

لا لأنبياء جدد في الوطن

لا لأنبياء جدد في الوطن

الأسوأ من العمى تمتعك بالنظر دون الرؤية
هيلين كيلر

منح السلطان قابوس يوم الخميس، ٢١ مارس، عفواً عن المدانين والمتهمين بقضايا "التجمهر"، و"إعابة الذات السلطانية"، و"مخالفة قانون تقنية المعلومات".

بدى تسلسل الأحداث الذي أنتج هذه القضايا في بلد هاديء (أو راكد) كعمان كإحدى قصص ألف ليلة وليلة، حيث يرتفع مستوى الأدرينالين كلما تشوق القاريء\المتابع لمعرفة ما تحمله الأحداث القادمة بالقصة. لكن ولأن البلد لا يبدو قصة عابرة في كتاب غابر، ينبغي على جميع أبطال هذه القصة -إضافة للمتابعين- الانتباه لما يمكن تعلمه. 

يتأمل المرء أن يكون العفو الكريم فرصة لتهدئة الصخب المرافق لتلك الأحداث. يهدأ الصخب كي تتمكن الأجهزة التنفيذية ووسائل الإعلام المتعددة والشباب المتحمس لقراءة ماضي - لن يمضي- في سبيل مستقبل آتٍ بشكل متسارع.

لعل "الإصلاح" مفهوم يختصم عليه المتخاصمون، ولكن باستطاعة المرء الحصيف الاستنتاج أن الإصلاح حاجة متجددة وغير منتهية، تحتاجها الشعوب والأفراد لغايات موضوعية. تتغير الظروف المحيطة، فلا بد من تغير المسؤوليات والواجبات والتوقعات والتراتيبيات في نظام ما، كي يتأقلم في محيطه. لكن بالمقابل، لا يمكن الدعوة أو النظر للإصلاح -إضافة للحرية- كبريق بالغ التجريد يتأمله الشعراء والأدباء، وذلك لسبب بسيط هو أن أي تغيير كبير مفاجيء قد يودي بالنظام بأكمله.

نحتاج، في عُمان، لوقفة صادقة لندرك أين وقع الخلل. بدى لكثير من الناس أن النظام الاجتماعي والسياسي قد تجمد أو تحجر، فلم يدرك المشاكل أو التحديات القائمة أو تلك الآتية. تبعاً لذلك، غاب النقاش وتبادل الرأي، وركن من استطاع لقوت يومه متناسياً هم الآخرة (القادم الدنيوي)، بيد أن ذلك الارتطام الصاخب للمجتمع في فبراير ٢٠١١ قد أوقظ الجميع: الجائعين، والمانحين. 

نحن بحاجة ماسة لتجاوز ثنائية الجائع والمانح، وثنائية أخرى: التجريد الشديد للمفاهيم الإنسانية -كالحرية والشورى- مقابل الخصوصية المقيدة للواقع المعاش. نحن بحاجة ماسة لـ"رؤية" جديدة لمستقبل المجتمع. إن التحديات التي يعيشها العالم تبدو عاصفة وغير رحيمة. تركع اليوم مجتمعات ودول -كاليونان وإيطاليا- عُرفت كأهم روافد الحضارة الإنسانية وذات مستوى معيشي ممتاز تحت ضغوط اقتصادية جامحة قد تودي بهذه المجتمعات. غير أن التحديات التي نواجهها في عُمان ودول الإقليم تبدو أعظم: عالقون في التاريخ والجغرافيا وتمور تحتنا وحولنا صفائح متحركة.

في هذا الإطار ينبغي استغلال الإصلاحات السياسية التي دشنها السلطان قابوس عام ٢٠١١ لبدء حوار اجتماعي مثمر كي نعرف بعضنا بعضا، ولمناقشة ما نختلف عليه، وتعزيز ما نتفق عليه، وتسريع عملية طرح الأفكار والرؤى الجديدة كي نرتقي بالمجتمع والنظام ككل. 

فليدرك المثقفون مكانهم في هذا التشابك الاجتماعي. لا ينبغي أن ينظر المثقف لنفسه كنبي جديد يضطهده قومه، لأن هذه الرؤية تخون الواقع وتغيب آمال بدور مثمر وتقود لاشتباكات تبدد وقت المجتمع. يمكن للمثقف أن يلعب دوراً مؤثراً في اقتراح القضايا الآنية والتالية التي تعضل المجتمع، وخصوصاً في المجالين الاجتماعي والثقافي. 

إن دورس التاريخ مجانية، ومتاحة للجميع دون استثناء، بيد أن التساؤلات تثار دائماً حول مقدرة الإنسان على التعلم. صدودنا عن التعلم من الماضي والحاضر قد يكلفنا ضريبة عالية.

الجمعة، 15 فبراير 2013

Sway


بدأت أتعب من المخلوقات، أريد جمال الخالق. لكني أرى نفسي حين أتطلع هناك. وحين أتطلع إلى نفسي، أرى ذلك الجمال.
جمال الدين الرومي

الثلاثاء، 15 يناير 2013

"علي المعمري في ذمة الله"*

الموت لا يوجع الموتى
الموت يوجع الأحياء
محمود درويش

انتقل اليوم إلى جوار الله الروائي العُماني علي المعمري. أصدر علي مجموعات قصصية ك"سفينة الخريف الخلاسية"، و"أسفار دملج الوهم"، وأصدر كذلك روايات مثل "همس الجسور" و"بن سولع" التي فازت بجائزة أفضل رواية عمانية عام ٢٠١١.

قرأتُ رواية همس الجسور. كانت رواية لافتة على مستوى الأسلوب والموضوع. ستفتقد الساحة الثقافية قلم المعمري.

خالص العزاء والمواساة لأسرة وقراء علي المعمري.

*الصورة والعنوان مقتبسين من مدونة أكثر من حياة. 


السبت، 12 يناير 2013

عام جديد. ما الجديد؟


عيدٌ بأي حالٍ عدتَ يا عيدُ؟ بما مضى أم لأمر فيكَ تجديدُ؟
أمَّا الأحبةُ فالبيداءُ دونهمُ، فليتَ دونكَ بيداً دونهم بيدُ
أبو الطيب

'مضى عام'، هذا ما يمكن أن يقوله المرء، أي مرء، ولكن تختلف السنون على الإنسان.

تمر بذهني أحداث مضت حينما أهم بالحديث عن المستقبل. ألأن الماضي كان منظوراً، بينما يبقى المستقبل مجهولاً؟

كانت ليلة رأس السنة حافلة (كباقي ليالي السنة الماضية)، فقد انتشر الناس يحتفلون بحلول المستقبل. يحدو البعض أمل بأيام سعيدة، بينما ينخرط البعض مع الجموع ابتهاجاً، حيث يجدد آخرون عهد أيام خلت.

لربما كان المستقبل امتداداً للحاضر، لا منفصلاً عنه. أما المختلف (من الظروف أو اللحظات) فيجب صناعته.
.

الأربعاء، 25 يوليو 2012

حتى لا ترجع سورتنا أليف لحسين العبري، مجلة الفلق


حتى لا ترجع سورتنا أليف[i] لحسين العبري، مجلة الفلق



 وإن كان أعجبنا شيء منكم فقد ساءنا شيء آخر
حسين العبري

قُبض على ثلاثة من “الناشطين” متوجهين إلى مكان إضراب العمال في الشركات العاملة في قطاع النفط. أُخرِج اثنان منهم تباعا وبقي واحد محتجزا حتى الآن، وحسب ما تنوقل من أخبار على صفحات الإعلام الالكتروني فإن المحتجز المتبقي من تلك “الفتكة” وبعد 50 يوما من الحجز لم يُقدَّم بعدُ للمحاكمة.
على هذا الوضع قام ناشطون آخرون بالتوجه إلى مبنى الادعاء العام في محاولة للاعتراض، ورفعوا لوحات منددة بـ “الوضع القانوني” غير القانوني للاعتقال، وساندهم آخرون بكتابات على النت. ودخلت البلاد أزمة ما سُمِّيَ بـ “الكتابات المسيئة”، وهي كتابات كتبها أصحابها في النت وفي اللوحات أمام مبنى الادعاء العام، واعتقل على إثرها عدد من الكتاب شهدنا أخيرا محاكمة بعضهم.
عل إثر الاعتقالات الجديدة قام عدد آخر من الناشطين والحقوقين والكتّاب بوقفة احتجاجية أمام قيادة الشرطة في القرم منددين بحركة الاعتقالات، فاعتقلوا هم بدورهم، وشهدنا مع مرور الأيام خروج بعضهم تباعا من الاحتجاز ومحاكمة البعض الآخر.
استدعي أيضا عدد آخر من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي واحتجزوا وشهدنا محاكمتهم بجرائم مختلفة؛ منها الإساءة وجرائم تقنيات المعلومات.
قامت جريدة عمان، وفي سابقة من نوعها، بنشر صور بعض الذين حوكموا، ولم تكن صورهم وهم في قاعة المحكمة بل تلك الملتقطة لهم في لباس الاحتجاز وتحتها تواريخ ميلادهم ومحال إقامتهم وأماكن دراستهم أو عملهم. وبسبب الربكة التي حصلت جراء هذا “التشهير” استاء البعض، وكتبوا معترضين أو ناقمين أو اتصلوا بالمسؤولين في وزارة الإعلام، ثم أخرج بعض الكتاب والحقوقين والناشطين بيانا شاجبا، لتخرج الجريدة بدورها بـ”شبه اعتذار” غريب. ثم في حركة أشد من سابقتها، في الاسبوع اللاحق، نُشِرت صور المحكوم عليهم هذه المرة في نشرة أخبار العاشرة قبل أن تنشرها الجريدة صباح اليوم التالي.
وأمام ردور الفعل المختلفة التي سبقت ولحقت نشر صور المحكومين، استدعي أيضا عدد آخر من قبل الجهات الأمنية ونوقشوا “نقاشات ودية” حول تغريداتهم في مواقع التواصل الاجتماعي وحول مقالاتهم في الاعلام الالكتروني البديل، وما عساهم يقصدون، مع بعض التأنيب هنا وهناك، وإرسال رسائل ظاهرة وباطنة إليهم وإلى من حولهم.
كل هذه الأحداث لم تكن طبعا وليدة نفسها، بل كانت هي الأخرى رجعا لما حصل من احتجاجات واعتصامات في العام المنصرم، في الأحداث التي يطيب للبعض تسميتها بـ “الربيع العماني” ضمن ما سُمِّي إعلاميا بـ”الربيع العربي”.
على خلفية هذه الأحداث جميعها سأوجه لنفسي بعض التساؤلات التي أجدها مشروعة، ويتداولها كثير من الناس، وأحاول أن أجيب عليها بتلقائية وبلا مواربة، وأيضا بمباشرة لكي لا نتوه سوية فيما أريد أن أقول أو أفسَّر خطأ من قبل أي جهة.
أحد أهم نتائج حراك السنة المنصرمة سقوط حاجز الخوف من قلوب الناس فيما يخص علاقتهم بالحكومة والنظام. والحق أن هذا السقوط لم يأت مرة واحدة بل سبقته محاولات كثيرة من كتابات متفرقة ودعوات منتظمة ومسيرات واحتجاجات، ولكن الوضع كان ملائما جدا في الفترة المنصرمة. وما نشهده الآن من تحرك أمني ما هو في وجهة نظري إلا محاولة لفرض الهيمنة وإعادة ذلك الخوف إلى قلوب الناس. فكثير ممن كانوا يختفون وراء أسماء مستعارة في مواقع الانترنت، أصبحوا يكتبون بأسمائهم الحقيقية، بل وإن الذين يكتبون مع الحكومة والنظام أصبحوا أحيانا يكتبون متدارين خلف أسماء وهمية. لقد انقلب  المشهد نوعا ما.
وأرى أن من حقنا جميعا أن نطلب من الناس أيا كانوا أن يكتبوا بأسمائهم الحقيقية من الآن وصاعدا في النت لكي يجنبونا مغبة التوهم أنهم يخفون أجندة أيا كان نوعها. ولكي يبدو المشهد معبرا عن الواقع، فنحن جميعا نعرف أن العديد من نشطاء النت لديهم أكثر من حساب في ذات المواقع لأسباب مختلفة. فحتى لا يتهم بعضنا بعضا أرى أن نسقط الأقنعة الكتابية، ويكتب كل باسمه الحقيقي. فالمستفيد من إخفاء الأسماء الآن هي  الجهات الأمنية، والتي هي ليست بحال من الأحوال ندا للناس بل مع الناس ولكن بطرق أخرى؛ فهم بحكم الوظيفة مع الناس، ولكنّ طرقهم أحيانا تكون غامضة بعض الشيء، والمستفيد أيضا اولئك الذين يحبون أن يصطادوا في الماء العكر. وليعلم الجميع أنه حسبما شاهدنا في المحاكمات الحالية أن الجهات الأمنية والقضائية والقانونية كلها قادرة، فيما يبدو أن تعرف هوية الأشخاص الذين يدخلون إلى العالم الافتراضي في النت أو في وسائل الاتصالات الأخرى. وليعلم الجميع أن الكتابة وإبداء الآراء هي حق من حقوق الجميع، حق كفله القانون والنظام الأساسي للدولة، بل إنها مع بعض الذين لديهم وجهات نظر وآراء جيدة تصبح فرضا وطنيا واجبا. ولذلك أدعو من هذه الصفحة، وأرجو ألا يُعَدَّ هذا من قبيل التحريض إلا على فعل الخير، أن يكتب كل من لديه وجهة نظر أو رأي أو فكرة او انتقاد، أن يكتبه ولكن طبعا أن يكون بطريقة عملية علمية محترمة.
إن محاولة الجهات الأمنية أن تضع كل البيض في سلة واحدة، صالحه وفاسده، هو أمر واضح للعيان، وينبغي أن تحترم هذه الجهات عقول الناس كما تحترم رغباتهم في الأمن والأمان، فكما حصل في السنة المنصرمة حين قيل أن المحتجين والمعارضين والمعتصمين يريدون التخريب وقطع الطرق، أو لهم أجندات خارجية أو داخلية، ووضعوا جميعا في سلة المطالبين بحقوق غير مشروعة، فكذلك كان التعامل مع قضية “الكتابات المسيئة”. ففي حين نجد أن بعض المحتجزين والمسجونين والمحكوم عليهم قام بالإساءة المباشرة التي تدخل في نطاق قلة الأدب والسفاهة وأقل درجات الاحترام، نجد أن بعضهم كان يُعبّر عن شأن وطني ولكن بصيغة مجحفة وغير متزنة، والبعض الثالث لم يُعبِّر إلا بطريقة حسنة. لا أظن أن أحدا يحب أن يساء لأي أحد وتعاب ذاته الشخصية والذي يفعل ذلك فلا بد أن يعاقب. لا يجب أن يحصل هذا فقط لاننا في مجتمع تحكمه القيم الأخلاقية الجيدة (إن وافقنا على هذا) بل لأن القانون يجب أن يحمي الناس أيضا من مثل هذه الإساءات. ولذا لا أرى أن المشكلة تقع في هل يجب معاقبة المسيء على إساءته كما وضعتها الجهات الأمنية، بل في هل هي إساءة أم لا. فإن كانت إساءة وافق جميع الناس على إنزال العقاب، وإن لم تكن كذلك أو كانت مبهمة فأظن أنه من قبيل الإجحاف إنزال العقاب بالظِنَّة.
في المقابل يجب أن ننتبه لنقطة في غاية الأهمية، وهي أن المُشاهد للساحة العمانية الآن انشغل بالحديث عن هل ما فعله المحتجزون إساءة، وهل يجب أن يعاقبوا، وإن حكم عليهم القضاء هل من حق الجرائد والتلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى أن تنشر صورهم وتُشهِّر بهم. وهذا ما يحيل الناس إلى الظن أن الكتابة المعارضة أو المنتقدة للسلطة والنظام هي إساءات كتابية، وأن الكتاب والمثقفين هم أولئك الفئة المتذمرة التي لا هَمّ لها إلا الإساءة وإرباك الناس والمس بأمنهم وأمانهم. والحق أن الجهات الأمنية قامت من قبلُ بمثل هذا العمل فأظهرت الشيوعيين والقوميين على أنهم كفرة، وأظهرت التنظيمات التي تريد قلب نظام الحكم على أنها ذات أجندات خارجية ولها معدات عسكرية، واظهرت المعتصمين والمحتجين على أنهم مخربين وقطاع طرق، ومهما يكن من صدق وكذب هذه الادعاءات، ومدى مطابقتها لجميع من نسبت إليهم من مشاركين في تلك الاحداث، إلا أنها عوملت بتلك الطريقة من غير أن يُبيّن للناس التفاصيل الأخرى التي كانت ستجعل الناس تحكم بما هو أقرب إلى الحقيقة. والحق ان العديد من العوامل كانت تجعل من التعمية والتمويه مقدورا عليهما في الماضي، ليس بأقلها التحكم الصارم في وسائل الإعلام.
معالجة الحكومة للأزمة في السنة المنصرمة تفاوتت بين ما هو جيد أريد به حقيقةً التغيير والإصلاح وبين ما هو شكلي لتمرير الأزمة. والمحلل لا يستطيع إلا أن يرى الصورة الكلية في العالم العربي حينها حين الحكم على أداء الحكومة. والمحلل يجب أن يرى أيضا الصورة الحالية للوضع العربي ليعرف كيف يحكم على اداء الحكومة حاليا. مع هذا فإنه من المنصف أن تُناقَش الحكومة أفرادا وجماعات، وكتابةً وشفاهيةً، عن مدى القيمة الإصلاحية والتقدمية التي حصلت جراء التغييرات التي شهدتها البلاد منذ تلك الأحداث وحتى الآن.
التضحية مثلا بالوزراء السابقين وتغيير معظمهم تباعا أعطى دلالات متضاربة وتصورات مختلفة. فالذين أخرجوا من الدائرة الوزارية جيئ بغيرهم بطريقة غريبة. مما يجعلنا نفهم أن قضية اختيار المسؤولين لا يبدو أنها قضية تنبني على أسس قوية. فأنا أرى مثلا، وهي مجرد وجهة نظر لا غير، أن بعض الوزارء السابقين كانوا أكفاء أكثر من لاحقيهم. وداخليا كنت أختلف مع بعض توجهاتهم وأساليبهم لكنني كنت أشعر في الأعم الأغلب أنهم ربما يكونون ملمين بجوانب أخرى من الصورة لا يراها الفرد العادي. وأيا كان الأمر فإن المعالجة كانت في رأيي لحل الأزمة حينها. والدليل ان الأشخاص استبدلوا بأشخاص آخرين، وكان هذا في بعض المواقف كافيا لإسكات غضب الناس، ولكننا رجعنا لنفس المشكلة، وهي كيف يتم الاختيار ومن يقوم بتقييم الأداء. وهذه بحق مشكلة عويصة. والأكثر ربكة هو ما هي صلاحيات الوزير أصلا وما مدى قدرته على الحركة.
ولعله يطيب لي هنا تحديدا ان أبدي تعاطفي مع جميع الوزراء والمسؤولين الحاليين، ولأدافع عنهم قليلا في ظل كل هذا الزخم المضاد الذين يكال عليهم من قبل كتاب النت والناس في مجالسهم. فبداية، من غير الجيد لهم هم أولا أن يكون اختيار الوزير اختيارا سياسيا أمنيا، بعيدا عن التخصصية والكفاءة. فالرياضي يُجعل اقتصاديا والزراعي يجعل رياضيا والكاتب يجعل إعلاميا والفنان يجعل تنفيذيا، والأهم من هذا كله أن الموظفين الذين يديرون المكان لسنين وقد تشربوه جيئة وذهابا ودراية يطاح بهم من أجل القادمين الجدد. الوزير والمسؤول عموما في موقف لا يحسد عليه حاليا، فهو مطالب من كل الجهات بعمل شيء وفي نفس الوقت مجبور أن ينفذ “أوامر عليا”، وبالتالي هو واقع بين فوهتي مدفعين من جهتين متواجهتين. وهو كبش الفداء الممكن بكل سهولة التفريط به بجرة قلم. وحتى حين الحديث عن المزايا الاقتصادية التي ينعمون بها والتي يُهوّلها الناس دائما فإني أجدها غير كافية، وفي رأيي جيدٌ أن يجتمعوا ويطالبوا بزيادة روابتهم بما يعادل عملهم كرؤساء تنفيذيين لمؤسساتهم كما هو الشأن في مؤسسات القطاع الخاص. أما عن مكافآتهم الأخرى التي يُعطون فهي، في رأيي المتواضع، ليست من العدل في شيء، فإن كانت مكافآت لهم فإن من يقوم بإعطائهم تلك المكافآت الأولى به أن يعطيهم إياها ضمن رواتبهم التي يشتغلون عليها في يومهم وليلهم. أما كانت ترضيات وتسويات يقوم بها مجلس الوزراء الموقر أو وزارة الديوان فهي ليست من حقهم بل وينطبق عليها ما ينطبق من نظرة الناس، ونظرتي شخصيا، في انعدام العدل المالي الذي أسسته وزارة الديوان. إن أبسط حقوق الموظف غير متوفرة للوزراء؛ فهم لا يملكون توصيفا دقيقا وكاملا لوظيفتهم (job description) وهم لا يمكلون حق رفض المنصب، ولا يملكون حق الاستقالة.
لنحلل مثلا مسألة إظهار صور المحكوم عليهم في جريدة عمان والتفلزيون لنرى كيف أن قدرة رئيس المؤسسة تصبح قابلة للشك. فقد نشرت جريدة عمان صور المحكوم عليهم بأسمائهم وتواريخ ميلادهم وأماكن عملهم وإقامتهم، وأمام غضب الناس وإصدار بعض الكتّاب بيانا منددا قامت الجريدة بـ”شبه اعتذار”، ثم جاءت حركة نشر صور المحكوم عليهم في الأسبوع الذي تلاه في نشرة العاشرة ثم في جريدة الصباح التالي. والسؤال الذي أراه مهما هنا هو لماذا قامت الجريدة بالاعتذار؟ فإن كان توجهها لا يمنع من نشر الصور، وهذا ما حدا بها للنشر بداية، فلماذا كان الاعتذار؟
ما أتصوره أن ما حصل كان كالتالي: فقد وصل خبر الحكم والصور لدى الجريدة، ولأن بها شانا مهما أعطي للوزير للتصريح بنشره أو تركه، رأى الوزير أن المقصود هو أن ينشر الخبر لا أن يُفعِّل هو قدرته على عدم نشره. فقام بالتوقيع ونشرَه. ثم جاءت ردة فعل الناس والكتّاب مشككة في القيم الصحفية متعللة بالبناء الأخلاقي للمجتمع الذي ما فتئت المؤسسات الحكومية تلمع من أركانه. ووُجِّهت الانتقادات لشخص الوزير ولعمل مؤسسته، فما كان منه أو ممن حوله أن ارتأوا أن ينشروا الاعتذار، وخصوصا أنه في الأشهر القليلة المنصرمة كانت تتشكل صورة عامة لدى المراقب أن جريدة عمان هي الجريدة الأفضل من حيث جرأتها في نقاش المسائل الحساسة، كما حصل مثلا في مسألة رمال بوشر، (الصورة العامة التي تجعل من جريدة الوطن لدى البعض مجرد قائمة إعلانات لا تحترم القارئ في أبسط حقوق المواطنة في أن يعرف المراسيم السلطانية كاملة في الصفحة الأولى، ومن جريدة الزمن مناوئةً ومعارضة إلى درجة الشخصانية أحيانا، ومن جريدة الشبيبة لاعباً بين بين). وطبعا ما جعل أخذ القرار بالاعتذار يبدو معقولا أن الجهات الأمنية لم تحرك ساكنا حينها، أي أنها لم تؤيده ولم تستنكره (هذا سيناريو تصوريٌّ طبعا). وإذن وجد الوزير نفسه في موقف لا يحسد عليه؛ فقد أخذ قرارا أغضب البعض من جانب، والذين يجب أن يؤيدوه لم يظهروا حينها من جانب آخر، وهذا كله دفع الجريدة للاعتذار أو لشبه الاعتذار. أما بعد نشر الاعتذار فقد جاء رد الجهات الأمنية واضحا ليدفع بالوزير في خانة صعبة إذ جاء النشر هذه المرة من جهة هيئة التلفزيون والإذاعة في نشرة أخبار العاشرة، بل وتضمّن هذه المرة نشر صورة فتاة محكوم عليها، ثم جاء نشر الصور في الجريدة في اليوم اللاحق. هكذا جاءت الرسالة واضحة هذه المرة أن الجهات الأمنية هي من وراء النشر، وأن الآخرين الذين ربما تسول لهم أنفسهم بالكتابة هم من وراء القصد.
في رأيي يجب ألا نغفل هنا عن أمر ما مهم، وهو قانونية النشر، ولنجعل أمر الاجتماعيات بعيدا . فنحن جميعا يجب أن نحترم القانون في النهاية والقانون هو ما يجب أن نسعى إليه في ظل اختلاف الأراء. ولا أجدني إلا متعاطفا مع الجميع في هذه المسألة، وأرى بالتالي أن يُعرّض الأمر للقضاء، وأن يُوجِّه الذين يظنون أنه تم التشهير بصورهم في الجريدة والتلفزيون دعاويهم للمحاكم لكي يقول القضاء، الذي ينبغي أن يكون عادلا لا مسيسا ولا أمنيا، كلمته الفصل. ولكن وحتى حدوث ذلك يجب ألا يتوانى الجميع في أن يَعضُّوا بالنواجذ ولا يفرطوا في دعم جريدة عمان والهيئة العامة للتفلزيون والإذاعة فيما حققتا من مكتسبات في السعي إلى حرية أعلامية مسؤولة في الأشهر القليلة الماضية. فمثلا لا ينبغي أن يفرط في بعض الأفكار الجميلة التي يمكن أن تتوارى أمام النقاش الدائر الآن حول هاتين الجهتين، في أهميتهما. فجريدة عمان في رأيي هي الأنسب من بين الجرائد القائمة الآن للمضي قدما في تطوير العمل الصحفي لأن الجرائد الأخرى مكبلة أكثر بالذي يمكن والذي لا يمكن، والتجاري وإلاعلاني، أكثر منها. لا ينبغي التفريط هكذا ببساطة في البرامج الحوارية التي تبثها الهيئة، ولا في قضية اليوم التي كانت تبث في نشرة أخبار العاشرة، والتي أعادت إلى حد ما الناس للجلوس أمام التفلزيون العماني. أما عن بيانات الكتّاب التي تصدر بين فينة وأخرى في هذه المسألة أو تلك فأتمنى أن تكون بيانات دقيقة علمية لا صدامية، وأن تكون واضحة الصياغة وأن يقرأها من يوقّعها لا أن يوقعها غيرهم عنها بالإنابة.
من المكاسب التي لا تخفى للحراك الذي حصل في العام المنصرم بِشرِّه وخيره، هذا الاهتمام من قبل الجميع بالقانون والشؤون القانونية. وقد شهدنا جميعا، بفرحة، ما آلت إليه الأمور من فصل الادعاء العام عن الشرطة، وفصل القضاء عن مجلس الوزراء. وهي مكاسب عامة لكنّ البعض الآن يتساءل عن هاتين المؤسستين، وأحياناً يشكك في عملهما. ولأكنْ دقيقا؛ فالتساؤل الأكثر والشك الأكبر كانا يدوران حول الادعاء العام وليس حول القضاء إلا بعد أن بدأت المحاكمات الحالية. فهناك أولاً امتعاض كبير من العديد من الناس حول الزج بالادعاء العام في المسائل الأمنية التي حصلت في العام المنصرم، وبالزج به في الآونة الآخيرة في ما يسمى بقضية “الكتابات المسيئة”. فالمراقب قد يرى أن الادعاء العام لم يوفِّ بالكثير من وعوده التي لم يكن أصلا مخولا بقطعها (التخويل الشعبي لا الفعلي أو الرسمي). الادعاء قام  بإعطاء الناس وعدا بأنه سيحقق في أمر مقتل الشابين أثناء الاحتجاجات في صحار، ولم يفعل ذلك، أو لعله فعل لكنه لم ينشر عنه شيئا. قام بالتخلي بسهولة مفرطة عن الدعوى الموقعة من قبل آلاف من الشعب حول مساءلة الوزارء والمسؤولين المُقالين. لم ينبس الادعاء ببنت شفة في قضية الرسائل النصية التي وُجِّهت للناس إبّان بداية الأحداث في صحار، والتي كانت مؤججة وأحيانا عارية من الصحة. فجأة يقوم برفع الدعوى ضد “الكتابات المسيئة” رغم أن هناك كتابات أخرى كانت موجودة بالفعل من قَبل من قِبل بعض الكتاب ولم يُحرِّك الادعاء ساكنا. قام بالسكوت الغريب بل وبالمشاركة أحيانا في نشر وتسويق الفكرة القائلة بأن “الاعتصامات السلمية” أمر مشروع مع أن نصوص القانون تجرم التجمهر. وهذا ما غرر بالكثير من الشباب فانساقوا وراء التضليل. ذلك لأن الرموز القانونية ممثلة في الادعاء، والرموز الحكومية والشعبية ممثلة في وزير العدل السابق ورئيس مجلس الشورى، والرموز الدينية ممثلة في المفتي العام، كل هؤلاء الرموز قاموا بحملة إعلان في وسائل الإعلام لنشر أمر غير قانوني وهو أن “الاعتصامات السلمية” أمر قانوني، وهو ما كان يفقهه الادعاء العام تمام الفقه. وهو أيضا ما دفع بالعديد من الشباب في الآونة الأخيرة للظن أن الاحتجاج السلمي ورفع الشعارات المنددة بما يظنونه ظلما أمرٌ جائز قانونا، الأمر الذي أوردهم مرادي الاعتقال. حين ظهرت قضية رمال بوشر لم يباشر الادعاء بالتحقيق في الموضوع. والغريب أنه أمام كل قضية أمنية فجأة يخرج الادعاء بإعلان يسبق التحرك الأمني بيوم أو يومين لينذر الناس!. وحين يُمرَّر قانونٌ يبدو للبعض، وأنا منهم، ظالماً، كقرار حبس المتهم في قضايا أمنية لمدة تصل إلى اسبوعين مع امكانية التمديد لفترة مماثلة وإعطاء الضبطية القضائية للجنود فيما يظنونه ماسا بالأمن، لا يتحرك الادعاء ولا خطوة واحدة في سبيل المطالبة برفض القانون واعتباره انتهاكا لحقوق الشعب. وطبعا بعد كل هذه الإخفاقات (نتكلم عن الجانب المتعلق بالقضايا المطروحة هنا، وليس عن مجمل عمل الادعاء العام)، يأتي الادعاء في سابقة حكومية غريبة ويعيِّن متحدثا رسميا ليقوم بـ”تعليم” الناس وتثقيفهم. يجب أن نقول الواقع علانية؛ فصورة الادعاء العام التي لدى الناس، أو بعضهم على الأقل، مهزوزة جدا، وتحتاج إلى ما يمكن أن يُسمّى إعادة زرع الثقة في النفوس وتطمين الشعب أن الادعاء يقف معهم ضد كل المخلين والمجرمين، المسيئن منهم واللصوص والسارقين والمزورين والمتلاعبين، الفقراء منهم والأغنياء.
أما فيما يتعلق بالقضاء فلا أظن أن ثمة لغطا كبيرا حول نزاهة القضاء؛ فالجميع يجب أن يحترم القضاء والقانون، والجميع يحب فعل ذلك. فقط هناك مسألة يجب أن تكون واضحة، وهي أن القضاء يقوم على النصوص القانونية ولا يجب ان يقوم على دفع أمني ولا سياسي. ولكي يحصل ذلك أرى أنه من الضروري أن تكون النصوص القانونية ذات صبغة قانونية حقيقية، أي أن تكون هناك طريقة قانونية لتشريع القوانين والعمل بها. فالحق أن قانون الاحتجاز هذا الذي يمتد شهرا، والذي يتم في غير السجون الرسمية المعلنة، هذا قانون يجب أن يناقش وتعاد صياغته لا ان يمر مرور الكرام على عيني الرقيب الادعائي. وكذلك فإن قانون إعابة الذات السلطانية الذي به حكم على بعض “الكتابات المسيئة”، هذا القانون الذي هو نص من نصوص “الكتاب الأبيض” لا يفصل بين عمل السلطان ورئيس الوزراء، وإن كان يفعل ذلك فالقضاء لا يفرق بينهما لأنه يستند ربما على قوانين فرعية مخالفة لنص “الدستور”. أما قانون التجمهر والاحتجاجات السلمية والكتابة والنشر والمطبوعات فيجب أن تعاد ضياغتها، فكل هذه تفرز دلالة جازمة على أننا في الطريق الصحيح للدولة  المدنية القانونية. يجب أن نمضي جميعا في اتجاه الدولة المدنية التي يكون فيها القانون هو الحكم والفيصل، مع هذا يجب أن تكون هناك جهة قضائية تقوم بالبت في مشاريع القانون وإلا أصبحت الحكومة هي واضع القانون ومنفذه.
أن تتدخل الجهات الأمنية في قضية “الكتابات المسيئة” أجده، ظاهريا، أمرا منطقيا. لكن أن تقوم بأكثر من ذلك وتحاول ان تزرع الخوف لدى بعض الكتاب من خلال “المناقشات الودية” في القسم الخاص، ومحاولة قراءة ما خلف السطور في الكتابات وتأويلها تأويلا أمنيا، هذا ما لا أجده عادلا. على الجهات الأمنية أولا ان تحاول مع الجهات القانونية المختصة أن تلغي قرار الاحتجاز الطويل. وثانيا أن تعيد تشكيل صورة متواضعة وواقعية عن ضابط الامن لتتواكب مع الاحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد والبلدان العربية. لِأُفصَّل: يناط برجال الجهات الأمنية أمر أجده عسيرا عليهم، وهو التفكير في القضايا الاستراتيجة للبلد. الأمر عسير عليهم ليس لأنهم ليسوا أكفاء، لا، ولكن القضايا الاستراتيجية تحتاج إلى جيش من المختصين والعلماء والمفكرين. وهذا ما يجب أن يطالب به، وهو انشاء كيان مستقل للدراسات الاستراتيجية؛ يرفد الجميع بنتائج ودراسات محسوسة حين البت في أي قرار أمني ومصيري أو حتى عادي.
قبل الأحداث في عام 2011 كان رجل الأمن يظن إلى حد كبير أنه “المثقف” الواقعي الوحيد في البلد، وأنه الماسك بعصا التوازن الواجب قيامه في الحكومة. بل إن الصورة كانت تبدو أن الأمنيين هم من يقومون بالكشف عن قضايا الفساد في الحكومة، وهم من يحاولون أن يحموا الناس من فساد بعض المسؤولين. وكان الواضح من خلال الصورة أن الأمنيين منحازين تماما للناس وللحكومة المستنيرة في الصراع بين “اللوبيات” المحيطة بالسلطة. ومع أن هذه الصورة لا أستيطع تصديقها كليا إلا أن الجميل في الأمر أن تصديقها كان من قبل رجال الأمن أنفسهم أكثر من الآخرين. فلكأنهم صنعوا الصورة في البداية ونشروها ثم صدقوها هم أنفسهم أكثر من غيرهم. وطبعا هي صورة رائعة وجميلة حين تكون البلاد في وضع سلمي مُطمئِن، لكنها تبدأ في التعثر وتفقد بريقها حين تكون هناك احتجاجات ونزاعات واختلافات في الآراء.
لقد منيت صورة رجل الأمن بضربات كبيرة في السنوات القلية المنصرمة؛ فهناك قضية التنظيم الذي كان يراد به قلب نظام الحكم، والذي يبدو أن الكشف عنه جاء من مصادر خارجية لا داخلية. ثم جاءت قضية التجسس من قبل دولة مجاورة، والذي شابته احتمالية اختراق أمني على مستويات رفيعة، واحتمالية وجود اختلافات جوهرية بين الجهازين الأمنيين. ثم حصل التدخل الأمني في صحار وعَقَّب قتيلين وجرحى ونفوسا ناقمة. هذه الزعزعة الخارجية عَقَّبت زعزعة في الصورة الداخلية الجميلة للأمن، وحطمت التناغم الداخلي الذي كان مفروضا ومتقبلا في آن.
أرى أن يعرف رجال الأمن أن الكتّاب ومرتادي النت ومرتادي الشأن العام في كتاباتهم، هم وسيلة جيدة لقياس الآراء في المجتمع ومصدر جيد لا ينضب للآراء والأفكار المهمة. لذلك فالزج بهم وراء القضبان أو محاولة كبح جماح شهوتهم في الكتابة أمر يرتد سوؤه على الجميع وعلى الجهات الأمنية في المقام الأول. لأن الأمنيين حينها سيفكرون وحدهم وسينفذون وحدهم ، وسينتجون قراءت أحادية للواقع المعاش من حولهم. ولأنهم يهتمون بأمن النظام أكثر من اهتمامهم بأمن الناس، أو هكذا يطيب للبعض ان يصفهم، فإن أفكارهم ستدور دائما حول النظام ولن يكونوا قادرين على الخروج من الدائرة المغلقة لأفكار ضيقة وسطحية.
إن قراءة ما حصل خلال السنة المنصرمة على أنه أزمة وأن الحكومة قامت بحلها لهو أمر سطحي بكل معنى الكلمة. والحل الأمني الذي يتراءى للجهات الأمنية أو الحكومية هو حل غير مجدٍ لأنه يؤخر لحظة الانفجار فقط لكنه لا يطفئ الفتيل المشتعل. إلا أنه قد يكون مغرٍ لبساطته؛ فأن يكون هناك رأي واحد وطريق واحد لهو بالفعل أمر بسيط. لكن المجتمعات تتطور ولم يعد الناس حكر لرأي واحد تلزمه عليهم جهة واحدة أو وسيلة إعلام واحدة.
أما قراءة الأمر على أنه سوء أخلاق وتدنٍ في القيم فهذا بحق أمر مضحك. إن هذه القراءة بها تعالٍ مفرط. إنه إن كان التحريق وقطع الطرق والإعابة سوء أخلاق فإن هدر المال العام والفساد واستغلال المناصب هي سوء أخلاق أيضا. وينبغي قبل أن يُتكلم عن سوء الأخلاق أن يُعرف السبب الذي آلت به الآمور إلى ما آلت عليه. وإن كانت الإعابة سوء أخلاق فإن التشهير سوء أخلاق أيضا. وإن مضينا في هذا المنحى فسوف نرى تماما أن الأخلاق تتغير بتغير معطيات المجتمع، وليس من قبيل العدل أن لا توفر الحكومة أسباب العيش الكريم للناس ثم تطلب منهم أن يسكتوا.
أما قراءة الأمر على أنه تراخٍ في القبضة الأمنية على الناس فهذا منتهى السخف. الناس ليست مجرد أفواه مستهلكة تنتظر من يملأها. الأرض ليست ملكا لأسرة حاكمة ولا لشخص واحد أو جهاز واحد. وإن كان أعجبنا شيء منكم فقد ساءنا شيء آخر. أما ان تجعلونا جميعا معجبين وفرحين وحامدين ومسبحين فهذا لا يجدي أبدا وهو نفاق مذموم، ومغبته واضحة جلية.
وأمر التقدم والإصلاح في المجتمعات لا ينتهي بإصدار مرسوم أو قرار أو تحقيق رغبة للناس، وإنما هو أمر مستمر وجدل صاعد. والسلطة هي أولا وأخيرا للشعب فمنه يستمد الحاكم سلطته الحقيقية. وإذا كان الناس ينطلقون أحيانا من منطلقات خاطئة في قضايا معينة فهذا لأن المعطيات المتوافرة لديهم قد تكون محدودة.
أخيرا، لا عودة للوراء، لا عودة للمربع الأول. أتمنى من جميع المثقفين في هذا البلد، السياسيين والاقتصاديين والتربويين والأدباء والحقوقيين والعلماء ورجال الدين والنشطاء في الشأن العام، أدعوهم جميعا للكتابة في كل مجالات تخصصهم واهتماماتهم لكي يثروا الساحة بكل الآراء. فلا خوف من تعدد الآراء واختلاف المشارب فهي طبيعة البشر وعلى الحكومة أن تدرك ذلك وأن تكون حكيمة كما هي في بعض قراراتها. وعموما فالحرية لا تأتي مطواعة ولا توهب من قبل النظام والحكومة بل تكتسب وهي طريقة حياة. إني من هذا المقام “أحرض” جميع من لديه فكرة يحس فيها صلاح البلاد وتقدمها ألا يبخل بها عن الناس والحكومة.


[i]  أو: كي لا نعود إلى المربع الأول