الأحد، 2 نوفمبر 2008

حول العلم والدين

حول العلم والدين


مقال جميل كتبه المفكر خالص جلبي في "إيلاف" يقتنص لحظات انفلات العلم من كماشة الدين. هناك نافذة سابقة في هذه المدونة بعنوان "بين العلم والسياسة"، كانت قصيرة إلاّ أنها لمّحت إلى إشكالية العلم والسياسة في ثقافتنا العربية. هذا المقال للجلبي يغطي زاوية أخرى لمعيقات العلم في مجتمعاتنا وهي زاوية الدين. هناك كتب عربية تسلط الضوء على هذه الإشكالية منها كتاب عمر فروخ "عبقرية العرب في العلم والفلسفة".


المدفع يفتح ثغرة في قلعة أرسطو الفكرية


كان المدفع هو الذي فتح ثغرة في فكر أرسطو، ومع أن كل متأمل يرى سير القذيفة على نحو منحن، ولكن أرسطو الدماغ الأكبر كان يرى أن سرعة الأجسام عند السقوط تتزايد لأنها تتحرك في (شوق) إلى موقعها الطبيعي المنخفض!! وأن الجسم يلتمس سعادته (كذا) بالسقوط عموديا إلى الأرض؛ حنى جاء (نيكولو تارتاجينا) وهو اسم مستعار ومعناه (المتلعثم)؛ فأصدر كتابه المترجم (عام 1543م) عن أرخميدس، وأن مسار الأجسام في الأوساط يعتمد قوانين نوعية، وهي التي دفعت أرخميدس يومها أن يقفز عاريا، بعد أن تعرت له الحقيقة ويصيح أوريكا.. أوريكا أي وجدتها وجدتها.. حينما استوعب قانون طفو الأجسام في السوائل.
وفي هذا العام 1543م أصدر (كوبرنيكوس) كتابه عن دوران الأرض والشمس؛ فزلزلت الكنيسة وارتاعت، ويصف المؤرخ (ديورانت) هذا العام بأنه عام العجائب، لأنه تم خرق (التابو) في الفلك والجغرافيا والجسم الإنساني، ففي نفس هذه الفترة مسحت جغرافيا الأرض على نحو جديد، بعد إبحار ماجلان عام 1519 ودورانه حول الأرض.
وبعد (كوبرنيكوس) تحولت الأرض إلى ذرة تافهة في المحيط الكوني.
وقام (سرفتيوس) بخرق حرمة الجسم فبدأ في تشريحه، حتى طاردته الكنيسة، فهرب إلى أسبانيا، وهناك قام بضربته العبقرية في إنقاذ ولي العهد (كارلوس) من نزف في الدماغ، حين ثقب الجمجمة، فاتهمته الكنيسة من جديد، بأنه حليف للشيطان، فهرب مرة أخرى من أسبانيا.
والعبقريات لا تولد هكذا..
ولعل سرها كما رواه (جيمس بيرك) صاحب كتاب (عندما تغير العالم) أن نوياته الأولى كانت من نشاط علماء متبتلين، جازفوا بحياتهم ضد البابوية، ومحارق محاكم التفتيش، مثل و(مارين ميرسين) الذي قام بنشاط خطير عام 1630م، حين بدأ يعقد جلسات سرية مرتين أسبوعيا، لاستقطاب الأدمغة في أوربا، وفي مجلسه ذاك وصل (ديكارت) إلى منهجه في الهندسة التحليلية مع طنين ذبابة.
وكما يقول (مالك بن نبي) أن تفاحة نيوتن عند (جده) لم تزد عن قضمات من فاكهة ممتعة، كما كان يفعل الملك (هنري الثامن) وهو يقتل ستة من زوجاته بقطع الرأس بالساطور والبلطة؛ أما نيوتن فعاش في ظروف متخمرة، قدحها نشاط حميم في أوربا، وتيار متدفق من العبقريات، بدأت تأخذ التأثير العكسي المتبادل، وهكذا ولدت العبقريات، وعلى نحو متدفق متسلسل؛ ففي عام 1615 م يكتشف كبلر قانونه الثالث في الفلك، أن الكواكب تتهادى في الفلك الأعلى في مواقع تتراوح بين (مربع) السرعة، ومكعب بعدها، من تأمله كيف كان تجار الخمور يقيسون حجم البراميل بعصا مائلة.
وفي عام 1628م يكتشف (وليم هارفي) الدورة الدموية.
وفي عام 1632م يضع (جاليلو) كتابه المزلزل عن دوران الأرض والشمس، ومعها تسقط ورقة التوت عن عورة الكنيسة، بعد أن دخلت القرن السابع عشر بمشاعل مخيفة من محرقة (جيوردانو برونو)، الذي خالف الكنيسة بوجود عوالم لانهائية، فهي من آيات الله في السموات والأرض، وما بث فيهما من دابة، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.
وفي عام 1637 م يضع (رينيه ديكارت) (المقال على المنهج)، وبهذا يعتبر من البناة النظريين للحضارة الحالية العقلانية.
وفي عام 1648م يقوم (توريشللي) بقياس الضغط الجوي.
وفي عام 1661م يشق (بويل) طريقه إلى الكيمياء الحديثة، وبذلك ينتهي العصر اليوناني ونظرية القرون الوسطى، في فهم الكون على أساس من العناصر الأربعة: (التراب والماء والهواء والنار)؛ لينتهي الموضوع مع (ديمتري مندلييف) الروسي في وضع تصنيفه (الدوري) الرائع عن العناصر المعدنية.
أما (أوجست كيكول) فقد جاءته تلك اللحظة من وميض العبقرية في فهم الكيمياء العضوية وترابط ذرات الفحم على شكل أفعى تلتقم ذيلها، وكان مناما صادقا فتح الطريق لتأسيس علم جديد.
ويقول الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) في كتابه (النظرة العلمية) أن خلاصة النهضة الأوربية وعصر النهضة يدين لمائة دماغ لا يزيد، ولو تم اغتيالهم واصطيادهم على أيد مخابرات الكنيسة، لما كان هناك نهضة، ونحن في العالم العربي اليوم نعيش هذا العصر من ظلمات ومخابرات العصور الوسطى، بما تحمل من تعصب واضطهاد وتثبيط لكل نشاط عقلي إبداعي..
وهذا يذكر بكتاب الاعترافات الخطير الذي وضعه الكاهن (جان مسلييه) الذي يستحق مقالة خاصة به، وحين قرأ أهالي الأبرشية وصيته؛ نبشوا قبره، ولعنوه، ونشروا عظامه، وتبرئوا منه، بعد أن خدم الكنيسة ثلاثين عاماً، بكل صدق وإخلاص، كما ذكر في وصيته، معترفا بأنه كفر بالبابا والكنيسة، ولم يتجرأ حتى (فولتير) المعروف بسلاطة لسانه، وسخريته من رجال الكنيسة ودينها، على نشر كامل الوصية، بل اقتطف مقاطع من وصيته، فيها من الوهج والطاقة ما تتحمله عقول القراء دون أن تحترق...
وهكذا فأوربا الحالية لم تولد هكذا ولم تتخلص من قبضة مارد الفاتيكان بسهولة..
وقام (دين كيث سايمنتن) في كتابه (العبقرية والإبداع والقيادة) بدراسة جدية معمقة لكل العناصر المتعلقة بظروف ولادة العبقريات، وهو يذكر بكتاب (المسائل) للكاهن الفرنسي (مارين ميرسين) الذي وضعه حول البحث العلمي وانه يقوم على ثلاث قواعد: رفض كل ما يتعلق بسلطة سابقة. اعتماد الملاحظة المباشرة والتجربة. وصياغة النتائج على شكل رياضي.
قام سايمنتن بدراسته على نمط منفرد مثل: الدراسة العلمية لعباقرة التاريخ عموما، والأسلاف والمورثات والأجيال، والشخصية والطابع، والتعليم، والإنتاجية والنفوذ، والعمر والإنجاز،والجماليات والكاريزما، وروح العصر، والعنف السياسي وتثبيط البحث العلمي، وقوانين القياس التاريخية.
والرجل وصل إلى نتائج مثيرة حقا وينصح بالإطلاع عليه، وأنا قرأته أكثر من مرة، على قاعدة قراءة الكتاب الجيد أكثر من مرة، على قراءة أبحاث تافهة، تأتي مع بحر الانترنت في زبد يضر بالعقل, أو محطات فضائية تعتمد التهويش والمراء في النقاش، وقد نهينا عنه.


المصدر

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2008

حول العلم والسياسة

حول العلم والسياسة


على أحد الممرات في جامعة كوينزلاند عُلّق ملصق للبروفيسور أيان فريزر معلن به عن حديث عام للبرفيسور موجه للطلبة الدارسين في الجامعة. لم أشأ أن أضيّع فرصة حضور هذا الحديث خصوصاً وأن البرفيسور فريزر أصبح وجهاً عالمياً في البحث العلمي بعدما اكتشف أول مصل لسرطان عنق الرحم.

بدأ البروفيسور حديثه، ولفت نظري أنه كان يلبس قميصاً عادياً وسروالاً قصيراً يمكنه من المشي بأريحية وقيادة دراجته الهوائية. بدأ الرجل بجملة شدت انتباهي وهي: "العلم والسياسة يغيران العالم ويحلان المشاكل"، لكنه أردف أن السياسة تخلق المشاكل أكثر من حلّها!

البحث العلمي هو البحث عن حلول أو معرفة أكبر بالأمراض والمشاكل الموجودة على الأرض. هو مسيرة متطورة وليست مستقرة، تؤمن بالتغيير المستمر في المعلومة والأدوات والتقنيات البحثية كي تولد نتائج جديدة ومعاصر. ربما تظهر لنا بالجملة السابقة إشكالية الحداثة والعلم والسياسة. العلم والسياسة في محيطنا العربي لم يتطورا، فتمّ استيراد العلم واستمدت طرق ممارسة السياسة من تاريخ هذه المنطقة الغني.

بين العلم والسياسة تضيع بعض المفاهيم، فكيف يؤمن السياسيون ذوي العقلية التاريخية بقدرة العلم ذي الهوية الحداثية على حل مشاكل الوطن أكثر من بنادق العسكر وأنوف المخبرين؟!


مع تغريد البلابل وزقزقة العصافير
أناشدك الله يا أبي:
دع جمع الحطب والمعلومات عني
وتعال لملم حطامي من الشوارع
قبل أن تطمرني الريح
أو يبعثرني الكنّاسون
هذا القلم سيقودني إلى حتفي
لم يترك سجناً إلا وقادني إليه
ولا رصيفاً إلا ومرغني عليه

محمد الماغوط

الخميس، 2 أكتوبر 2008

ذكريات


ذكريات





يبرز الشوق فجأة،
يهجم على الذكريات كي ينكشها ويبرزها في الأذهان ماثلة أمام الحاضر الحزين.

تأتي الأعياد وتمضي دون أن نحسب الكلفة الدقيقة لمجيئها وذهابها لأننا لا نبرح المكان. أما إن كنت في المكان البعيد والزمان الغريب فستحسب الكلفة ويبرز الشوق والحنين إلى الوطن، إلى الأصل، إلى الأهل والناس.

القرية التي خرجنا منها، لم تخرج منا. إنها تسكننا حتى الأعماق السحيقة متربعة في ذاكرة الإنسان ومختزلة صورة الوطن الجميل البعيد النافر. إنها "الند" التي أعادت الذكريات الجميلة. قرية خلقها الله بيده، وأنبت فيها الزرع والضرع والإنسان. ليست ككل القرى.

ما الذي يملأ ذاكرة الغريب إن فاجئه الشوق كل حينٍ وحاضره لا يملك قرية لطيفة، ولا عادات جميلة.. لا يملأ الذاكرة إلا ّ الحنين..

سنعود ٌ يوماً إليها ..
هكذا أخبرني العندليب.
عيدكم مبارك

* الصورة لقرية الند بمنطقة الوقيبة في ولاية صحار العمانية. أخذت الصورة أثناء رمي اللحم في حفرة التنور.

السبت، 20 سبتمبر 2008

عودة الحارة إلى مسار الأحداث


ها هو موقع الحارة العمانية يعود إلى مسار الأحداث مجدداً ليزرع نفسه على صفحات الشبكة العنكبوتية بعدما فشل مغول العصر الجديد في وأد حرية الكلمة، والنشر. كل الدلائل تشير إلى روما التي دخلت بلاد المشرق بغزوة غاصبة. لقد ترك المشارقة أدوات الطبع في أيدِ روما لكن ذلك لم يكفها كي تهجم على الصور الضوئية في الشبكة العنكبوتية.

لقد هُزم الجمعُ وولّى الدبر، وها هي الحارة العمانية تصبغها الأفراح مجدداً.


الأربعاء، 17 سبتمبر 2008

هل ستموت الحارة والكنيسة؟


في هذا اليوم اطلعتُ على خبرين اثنين مهمين لي على الأقل:


الأول يتعلق بالكنيسة الكاثوليكية التي قررت الاعتراف والقبول بنظرية تشارلز داورين حول النشوء والارتقاء بعدما رفضتها مطولاً.
كاردينالات الكنيسة يقولون لا تعارض هناك بين الكتاب المقدس وبين نظرية داروين.
أعتقد أنهم استغرقوا ما يقارب 120 عام كي يصلوا لهذه النتيجة، فمتى يصل علمائنا المسلمون لمثل هذه النتيجة؟
.

الثاني: موقع الحارة العمانية هاجمه المخترقون الذين أرسلتهم أمريكا بعدما قضّت مضاجعهم الحرية الناشئة في تلك البقعة التي قرروا أن يحولوها إلى "جمهورية موز" جديدة تقع في الشرق الأوسط.

للحارةِ اللهُ، ولأمريكا الخزيُ والعار. أذكرهم برسالة الحارة التي جاءَ فيها:

"هل ستموت الحارة؟
سؤال يبدو غريباً، لكن لامفر من الإجابة عليه! نطمئنكم أيها السائرون بأن الحارة مشروع مستمر ولم ينجز بعد، لذلك فهي لن تموت قريباً على أقل تقدير. ستظل الحارة تفعل ما يفعله العاطلون عن العمل، إنها تربي الأمل."


الأحد، 7 سبتمبر 2008

رؤيات للتفاعل الحضاري مع الآخر






عندما نضع بعضًا من الملح في قاروة ماء فإن تفاعلاً كيميائياً يحدث. التفاعل يحدث نتيجة لمواد تتفاعل لتنتج مادة جديدة ذات مواصفات تختلف عن المتفاعلات. بهذه المقدمة البسيطة نلج ببساطة ملف التفاعل الحضاري الذي بدوره يحتاج لِمتفاعليْنِ على الأقلِ. الأول سيكونُ نحنُ و الثاني سيكونُ الآخر.

قبل أن نتجه لتحديد طبيعة التفاعل و سيره لا بدَّ لنا أولاً من معرفةِ العناصرِ المتفاعلة. " نحن " هو مجموعة الشعوب التي تربط بينها وحدة قيمية ذات خصائص حضارية واضحة حالياً و ثابتة على المستوى المنظور. بهذا التعريف البسيط فإننا نستثني وحدة المكان من السمات المشخِّصة لهذه المجموعة التي رمزنا لها ب " نحن ". و يرمز الكاتب ب" نحن" أغلب ما يُسمى بالأمة الإسلامية كمجموعة حضارية واحدة. أمَّا الآخر بدوره فهو ما يُستثنى بموجب التعريف السابق. فهو ذو سمات قيمية تختلف عمَّا يميز الأمة الإسلامية.

التفاعل الحضاري قد يحدث بأشكال مختلفة و تحت ظروف مختلفة، و كل اختلاف في البيئة المحيطة بالتفاعل يقود إلى تمايز واضح في الناتج. على هذا الأساس تباينت الرؤيات في أمتنا تجاه هذه التفاعلات بين قبولٍ مطلقٍ به أو رفض مطلق له. و لعل من نافلة القول أيضًا الإقرار بوجود رؤىً أخرى تمازجُ بينَ هاتين الرؤيتين الراديكاليتينِ.

التيار الأول ينادي بإيقاف التفاعل الحضاري مع الآخر أيًّا كان و مهما كان. يؤمن هذا التيار أنَّ التفاعل الحضاري هو البوابة الكبيرة التي تقود إلى التفسخ القيمي و ذوبان الشخصية الحضارية المميزة لهذه الأمة. إضافة إلى ذلك يصف هذا التيار التفاعل الحضاري كمقدمة و استهلالاً للتبعية السياسية و الفكرية للأمم الأخرى. بناءً عليه، اتخذ هذا التيار وصفات دفاعية و هجومية في آنٍ واحد لإيقاف هذه المعضلة حسب تصوره. تناولت النقلة الدفاعية أبناء الأمة ليوجههم بالرفق و الشدَّة لمنهجه الذي عرض كثيراً من خطوطه. اسلوب الرفق تمثل في انتشار الكتاب و المحاضرات و مواقع الإنترنت التي تعنى بغرس أفكاره في المتلقين. أمَّا اسلوب الشدة فتمثل في استخدام سلاح الفتاوى التي تكفر أبناء الأمَّـة الذين تفاعلوا فكرياً مع الآخرِ. نتج عن هذا تكفيرُ الشرائح العلمانية و الليبرالية و الحقوقية المتفاعلة فكرياً مع الآخر. نرى بوضوحٍ هذا المنهج في تصريح أسامه بن لادن رئيس تنظيم القاعدة حين قال: " إنَّ العالم انقسم إلى فسطاطين: فسطاط الحق، و فسطاط الباطل" و بالطبع لكل فريق أهله و من يواليه. تأثراً بهذه النظرية سقط الكثير من المسلمين – أساساً- ضحايا بأيدٍ مسلمَــةٍ.

مما يُأخذ على هذا التيار نقطتان رئيسيتان. النقطة الأولى هو تمجيده للتفاعل الحضاري الإسلامي الذي قاد المسلمون نواصيه في حواضر العالم الإسلامي قبل 13 قرناً ، بينما يرفض بشدة مثل هذا التفاعل في هذا العصر. النقطة الأخرى التي التبستْ على هذا التيار هو تفريقه التام بين جانبيِّ الحضارة الأساسيين: الجانب الفكري، و الجانب المادي. هو يقبل شيئاً محدوداً من الجانب المادي و يرفض في الوقت نفسه الجانب الفكري كخيار واردٍ للتفاعل. هذا التفريق التام أهمل أن الشق المادي للحضارة هو ناتج لشق فكري. و أهمل أيضًا أن استخدام الجانب المادي الحضاري سيقودنا لا محالة لأجواء القيم الفكرية و الفلسفية التي أنتجها الآخر. فالعملية طردية من كلِّ الجهاتِ.

النظرة الأخرى التي توجد في مجتمعنا تؤمن أنَّ التفاعل الحضاري هو ضرورة في هذا الزمن. هذا التفاعل يتم في الأفكار و الأدوات و وسائل الإنتاج. و لأنَّ أمتنا توقفت تقريباً منذ قرونٍ عديدةٍ عن الإنتاج المادي و الفكري، فلا يرى هذا التيار بأساً في استيراد الأدوات المعرفية و المعرفة ، و استيراد المنتج و الأدوات الإنتاجية أيضًا. هذا الاستيراد ضرورة لإعطاء جرعة حضارية تقوم برفع مستوانا الحضاري الذي ليس في أحسن حالاته حالياً. يُستخدم هذا المستورد أيضًا لخلق صدمةٍ قويةٍ للتراثِ بغرض تحديثه و انعاشه و جعله واقعاً معاشاً أكثر منه تاريخاً مقروئاً. الذي يسند هذا التيار طبيعياً هو الاختفاء التدريجيُ للقيود المفروضة على انتقال القيم و الأفكار و العقائد و المنتجات تحت مسمى " العولمة ". هذا الوضع جعل التيار الحداثي يرى أن مبادئه تتحقق أرضياً في عمليةٍ تزداد تلقائية باختفاء الموانع و الحواجز.

باستساغة الأمة للجوانب المادية التي أتت إليها نتيجة للتفاعل الحضاري يقطع هذا التيار نصف مشواره في سبيل تحقيق رؤيته.ِرغم هذا ، يظل النصف الآخر من هذا المشوار الذي يتمثل في تواجد الجانب الفكري للآخر ضمن خيارات الأمة الفكرية يبدو ليس قريباً كقرب الجانب الآخر. يرجع السبب في هذا إلى أنَّ الإنسان لا يميل إلى التجديد في قناعاته الفكرية بل يميل إلى التقليد و الركود في أغلب الأحيان.

يُأخذ على هذا التيار محاولة استنساخه التجارب الحضارية الأخرى لتثبيتها على الأمة الإسلامية. و هذا بدورهِ لا يدعو إلى الإنتاج الفكري بل هو طريق مؤكد للجمود الفكري بعنوان و مفتاح آخر. و يدفع الحداثيون هذا عنهم باستدراكهم أن الروح الحضارية للأمة لا تغيب، و أمَّا الأشياء الأخرى فهي انعكاس للتطور الطبيعي في الفكر البشري.


برأيي المشكلة بين التيارين هي مشكلة ثقة و مصطلحات في المقام الأول. التيارُ التقليدي لا يرفضُ الآخرَ رفضًـا قاطعًـا بلْ يُنادي بانتقائيةِ التأثُـرِ ، و اختياريـةِ الخيارِ الثقافي. و هذا يدلنا على وجود نسبة معينة للاستيعاب من الآخر يستطيعُ التيارُ التقليدِي قبولها في أدبياته و عملياته. نعم ، هُنَـاكَ تيارٌ يُنادي بالتجديدِ أو بالتلاحُمِ معَ الأممِ الأخرى في الثقافةِ الإنسانيةِ و العمليةِ تأثيراً و تأثراً. هذا لا يُغيبُ الهويةَ الإسلامية لأنَّ الهويةَ الإسلامية أصـلاً بصورتهَـا النقيةِ لا وُجودَ لهَـا على أرضِ الواقعِ. هويتنـا الحاليةُ هي نتاجُ تلاحمٍ حضاريٍّ فيمَـا مضى ، تركَ أثراً فيمَـا بقى. بهذا نستطيعُ الآنَ القولَ بأنَّـهُ لا يوجدُ الطرفُ الرافضُ للآخرِ رفضًـا قاطعًـا في أمتنَـا. هناكَ اختلافٌ في حجمِ الجُرعَـةِ التِي يجبُ تلقيهَـا من الآخر.