الخميس، 8 يناير 2009

جيحون وأشكال الصراع

جيحون وأشكال الصراع


ذكر لي صديق أمضى بمؤسسة حكومية ما يقارب 20 سنة أن موظفة مبتدئة بدأت تزحف نحو صلاحياته الإدارية والفنية. سألته لماذا يحدث هذا؟ قال: صراع أجيال!

جعلتني مقولة صديقي هذا أستذكر أشكال وآليات الصراع في جيحون. لقد ذكر الرجل "صراع الأجيال"، وهو إحدى أشكال الصراع المتعددة التي تحدث في أنحاء العالم كل يوم.

في دولة جيحون يوجد صراع بكل تأكيد لأنه مجتمع بشري، لكن الجميع يعمل على إخفاء إحداثيات الصراع ونتائجه رغم أنها تظهر للعيان في أحيان قليلة. جيحون دولة مستقرة سياسياً، إلاّ أنها تشهد العديد من الصراعات التي تحدث تحت الطاولة مثل صراعات الأجيال، وصراع تحديد الهوية والوجهة، والصراع الديني-الديني، والصراع الديني- العلماني، والصراع الديني- اللاديني، والصراع المذهبي، وصراع الطبقات الإجتماعية المهم في كل المجتمعات والمتمثل بصراع البرجوازية الصاعدة مع الأرستقراطية، وصراع الطبقة المتوسطة مع الطبقة العليا، وصراع العمال مع الجميع، ولاننسى الصراع السياسي..إلخ

نعم، لقد قلتُ إن جيحون دولة مستقرة إلاّ أنها تشهد كل هذه الصراعات وإن كان يحدث هذا يحدث تحت الطاولة لأن "الطبقة الحاكمة" لا تسمح بظهور أشكال الصراع إلى العلن إلاّ أنها تحاول -كلما حالفها الحظ- في إدارة الصراع كي لا ينشأ الانفجار تحت ضغط القانون الفيزيائي المهم "لكل فعل ردة فعل مساوية له بالمقدار ومعاكسة له بالاتجاه".

هنا سنتناول جيحون وأشكال الصراع فيها، لأن الصراع هو محرك التاريخ كما تقول بعض النظريات الفلسفية، وربما يقول القرآن كذلك. لكن قبل أن نبدأ ثرثرتنا حول الصراع يجب أن أخبركم قليلاً بعض المعلومات الأساسية عن"دولة جيحون"، ولاتنسوا أنني أعتمد في هذا على الخيال:

إنها دولة ملكية مطلقة Absolute Monarchy، يحكمها ملك. يبلغ تعداد الدولة مليون مواطن، وبها نصف مليون وافد. للدولة حدود برية وبحرية مع الدول الأخرى. لها دستور منحه الملك للشعب. تبلغ نسبة الأمية في جيحون 30% تقريباً. اقتصاد جيحون يعتمد على بعض الصناعات السلعية (سوف نغير هذا كلما اقتضت الضرورة).

جاء في كتاب "موسم الهجرة إلى الشمال":

"نعلم الناس لنفتح أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبوسة. ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة- الحرية. نحرر العقول من الخرافات. نعطي الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرف فيه كما يشاء". ص 153.


السبت، 3 يناير 2009

جيحون أو الأرض اليباب

جيحون أو الأرض اليباب


جيحون دولة عربية افتراضية سوف ترافقنا منذ اليوم في هذه المدونة. هي افتراضية وليست حقيقية، وأشددُ على هذا كثيراً. ستكون جيحون صديقة جديدة أثرثر حولها، وأنشر عنها بعض الأكاذيب. أرجو أن تضعوا هذا في أذهانكم عندما تقرؤون عنها هُنا.

جيحون دولة جديدة أضيفها لدول الصفيح والطوائف العربية. إنها على غرار دولة "موران" التي اخترعها الروائي السعودي عبدالرحمن منيف في خالدته "مدن الملح". عن هذه الدولة سأتكلم منذ اليوم، سأقول عنها بعض الأشياء، وسأنشر بعض الآراء التي أتمنى أن تتقبلوها بأريحية الموتى.

لماذا "جيحون"؟
ربما يغريكم الشيطان بهذا السؤال، لذا قررتُ أن أختصر المسافة. لهذا الاسم دلالة لغوية أستطيع رؤيتها بشدة، ومتأكد أنكم تستطيعون. إلى جانب ذلك، هذه اللفظة أطلقتُ تاريخياً على إحدى الدول الغير رائعة.
في هذه الرحلة سيرافقنا بعض الشعراء أصحاب الكلمات الجميلة، ربما محمد علي شمس الدين، ربما محمود درويش، ربما نزار قباني، وأكيداً أمل دنقل..

جيحون، ستكون معنا، ونحن معها،
والطريق يمضي حتى الافتراق..


الاثنين، 8 ديسمبر 2008

عيد سعيد

عيد سعيد

يرى البعض العيد مناسبة دينية، ويراها البعض مناسبة اجتماعية. ومهما يمثل العيد لكم، أرجو منكم أن تستمتعوا به جيداً، وبكل إثارة وتعب ممكن. يقولون إن فرحة العيد بتعبه. لقد جهزتُ الكاميرا لرصد اللحظات الفارقة غداً. سأصور صلاة العيد، وربما لحظات الذبح والدماء، أيضًا لن أنسى تصوير الشوارع الخالية، ورمي "المشوي" في حُفرة التنور. سأعمل على المتعة، وأرجو أن تستمتعوا حتى التعب.


بين الكلمات أتذكر أصحابي الذين يقضون أعيادهم في برزبن، أتمنى لهم أعياداً سعيدة تتغلب على ثورة المناخ هناك. هناك أصحاب في الوطن لا يجدون طعم العيد، وهناك أصحاب في المستشفيات لا يرون إلاّ الأغطية والأسقف البيضاء. أتمنى لكم لحظات سعيدة في هذه الحياة أيها الناس.

عيدكم سعيد..

الأحد، 2 نوفمبر 2008

حول العلم والدين

حول العلم والدين


مقال جميل كتبه المفكر خالص جلبي في "إيلاف" يقتنص لحظات انفلات العلم من كماشة الدين. هناك نافذة سابقة في هذه المدونة بعنوان "بين العلم والسياسة"، كانت قصيرة إلاّ أنها لمّحت إلى إشكالية العلم والسياسة في ثقافتنا العربية. هذا المقال للجلبي يغطي زاوية أخرى لمعيقات العلم في مجتمعاتنا وهي زاوية الدين. هناك كتب عربية تسلط الضوء على هذه الإشكالية منها كتاب عمر فروخ "عبقرية العرب في العلم والفلسفة".


المدفع يفتح ثغرة في قلعة أرسطو الفكرية


كان المدفع هو الذي فتح ثغرة في فكر أرسطو، ومع أن كل متأمل يرى سير القذيفة على نحو منحن، ولكن أرسطو الدماغ الأكبر كان يرى أن سرعة الأجسام عند السقوط تتزايد لأنها تتحرك في (شوق) إلى موقعها الطبيعي المنخفض!! وأن الجسم يلتمس سعادته (كذا) بالسقوط عموديا إلى الأرض؛ حنى جاء (نيكولو تارتاجينا) وهو اسم مستعار ومعناه (المتلعثم)؛ فأصدر كتابه المترجم (عام 1543م) عن أرخميدس، وأن مسار الأجسام في الأوساط يعتمد قوانين نوعية، وهي التي دفعت أرخميدس يومها أن يقفز عاريا، بعد أن تعرت له الحقيقة ويصيح أوريكا.. أوريكا أي وجدتها وجدتها.. حينما استوعب قانون طفو الأجسام في السوائل.
وفي هذا العام 1543م أصدر (كوبرنيكوس) كتابه عن دوران الأرض والشمس؛ فزلزلت الكنيسة وارتاعت، ويصف المؤرخ (ديورانت) هذا العام بأنه عام العجائب، لأنه تم خرق (التابو) في الفلك والجغرافيا والجسم الإنساني، ففي نفس هذه الفترة مسحت جغرافيا الأرض على نحو جديد، بعد إبحار ماجلان عام 1519 ودورانه حول الأرض.
وبعد (كوبرنيكوس) تحولت الأرض إلى ذرة تافهة في المحيط الكوني.
وقام (سرفتيوس) بخرق حرمة الجسم فبدأ في تشريحه، حتى طاردته الكنيسة، فهرب إلى أسبانيا، وهناك قام بضربته العبقرية في إنقاذ ولي العهد (كارلوس) من نزف في الدماغ، حين ثقب الجمجمة، فاتهمته الكنيسة من جديد، بأنه حليف للشيطان، فهرب مرة أخرى من أسبانيا.
والعبقريات لا تولد هكذا..
ولعل سرها كما رواه (جيمس بيرك) صاحب كتاب (عندما تغير العالم) أن نوياته الأولى كانت من نشاط علماء متبتلين، جازفوا بحياتهم ضد البابوية، ومحارق محاكم التفتيش، مثل و(مارين ميرسين) الذي قام بنشاط خطير عام 1630م، حين بدأ يعقد جلسات سرية مرتين أسبوعيا، لاستقطاب الأدمغة في أوربا، وفي مجلسه ذاك وصل (ديكارت) إلى منهجه في الهندسة التحليلية مع طنين ذبابة.
وكما يقول (مالك بن نبي) أن تفاحة نيوتن عند (جده) لم تزد عن قضمات من فاكهة ممتعة، كما كان يفعل الملك (هنري الثامن) وهو يقتل ستة من زوجاته بقطع الرأس بالساطور والبلطة؛ أما نيوتن فعاش في ظروف متخمرة، قدحها نشاط حميم في أوربا، وتيار متدفق من العبقريات، بدأت تأخذ التأثير العكسي المتبادل، وهكذا ولدت العبقريات، وعلى نحو متدفق متسلسل؛ ففي عام 1615 م يكتشف كبلر قانونه الثالث في الفلك، أن الكواكب تتهادى في الفلك الأعلى في مواقع تتراوح بين (مربع) السرعة، ومكعب بعدها، من تأمله كيف كان تجار الخمور يقيسون حجم البراميل بعصا مائلة.
وفي عام 1628م يكتشف (وليم هارفي) الدورة الدموية.
وفي عام 1632م يضع (جاليلو) كتابه المزلزل عن دوران الأرض والشمس، ومعها تسقط ورقة التوت عن عورة الكنيسة، بعد أن دخلت القرن السابع عشر بمشاعل مخيفة من محرقة (جيوردانو برونو)، الذي خالف الكنيسة بوجود عوالم لانهائية، فهي من آيات الله في السموات والأرض، وما بث فيهما من دابة، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.
وفي عام 1637 م يضع (رينيه ديكارت) (المقال على المنهج)، وبهذا يعتبر من البناة النظريين للحضارة الحالية العقلانية.
وفي عام 1648م يقوم (توريشللي) بقياس الضغط الجوي.
وفي عام 1661م يشق (بويل) طريقه إلى الكيمياء الحديثة، وبذلك ينتهي العصر اليوناني ونظرية القرون الوسطى، في فهم الكون على أساس من العناصر الأربعة: (التراب والماء والهواء والنار)؛ لينتهي الموضوع مع (ديمتري مندلييف) الروسي في وضع تصنيفه (الدوري) الرائع عن العناصر المعدنية.
أما (أوجست كيكول) فقد جاءته تلك اللحظة من وميض العبقرية في فهم الكيمياء العضوية وترابط ذرات الفحم على شكل أفعى تلتقم ذيلها، وكان مناما صادقا فتح الطريق لتأسيس علم جديد.
ويقول الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) في كتابه (النظرة العلمية) أن خلاصة النهضة الأوربية وعصر النهضة يدين لمائة دماغ لا يزيد، ولو تم اغتيالهم واصطيادهم على أيد مخابرات الكنيسة، لما كان هناك نهضة، ونحن في العالم العربي اليوم نعيش هذا العصر من ظلمات ومخابرات العصور الوسطى، بما تحمل من تعصب واضطهاد وتثبيط لكل نشاط عقلي إبداعي..
وهذا يذكر بكتاب الاعترافات الخطير الذي وضعه الكاهن (جان مسلييه) الذي يستحق مقالة خاصة به، وحين قرأ أهالي الأبرشية وصيته؛ نبشوا قبره، ولعنوه، ونشروا عظامه، وتبرئوا منه، بعد أن خدم الكنيسة ثلاثين عاماً، بكل صدق وإخلاص، كما ذكر في وصيته، معترفا بأنه كفر بالبابا والكنيسة، ولم يتجرأ حتى (فولتير) المعروف بسلاطة لسانه، وسخريته من رجال الكنيسة ودينها، على نشر كامل الوصية، بل اقتطف مقاطع من وصيته، فيها من الوهج والطاقة ما تتحمله عقول القراء دون أن تحترق...
وهكذا فأوربا الحالية لم تولد هكذا ولم تتخلص من قبضة مارد الفاتيكان بسهولة..
وقام (دين كيث سايمنتن) في كتابه (العبقرية والإبداع والقيادة) بدراسة جدية معمقة لكل العناصر المتعلقة بظروف ولادة العبقريات، وهو يذكر بكتاب (المسائل) للكاهن الفرنسي (مارين ميرسين) الذي وضعه حول البحث العلمي وانه يقوم على ثلاث قواعد: رفض كل ما يتعلق بسلطة سابقة. اعتماد الملاحظة المباشرة والتجربة. وصياغة النتائج على شكل رياضي.
قام سايمنتن بدراسته على نمط منفرد مثل: الدراسة العلمية لعباقرة التاريخ عموما، والأسلاف والمورثات والأجيال، والشخصية والطابع، والتعليم، والإنتاجية والنفوذ، والعمر والإنجاز،والجماليات والكاريزما، وروح العصر، والعنف السياسي وتثبيط البحث العلمي، وقوانين القياس التاريخية.
والرجل وصل إلى نتائج مثيرة حقا وينصح بالإطلاع عليه، وأنا قرأته أكثر من مرة، على قاعدة قراءة الكتاب الجيد أكثر من مرة، على قراءة أبحاث تافهة، تأتي مع بحر الانترنت في زبد يضر بالعقل, أو محطات فضائية تعتمد التهويش والمراء في النقاش، وقد نهينا عنه.


المصدر

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2008

حول العلم والسياسة

حول العلم والسياسة


على أحد الممرات في جامعة كوينزلاند عُلّق ملصق للبروفيسور أيان فريزر معلن به عن حديث عام للبرفيسور موجه للطلبة الدارسين في الجامعة. لم أشأ أن أضيّع فرصة حضور هذا الحديث خصوصاً وأن البرفيسور فريزر أصبح وجهاً عالمياً في البحث العلمي بعدما اكتشف أول مصل لسرطان عنق الرحم.

بدأ البروفيسور حديثه، ولفت نظري أنه كان يلبس قميصاً عادياً وسروالاً قصيراً يمكنه من المشي بأريحية وقيادة دراجته الهوائية. بدأ الرجل بجملة شدت انتباهي وهي: "العلم والسياسة يغيران العالم ويحلان المشاكل"، لكنه أردف أن السياسة تخلق المشاكل أكثر من حلّها!

البحث العلمي هو البحث عن حلول أو معرفة أكبر بالأمراض والمشاكل الموجودة على الأرض. هو مسيرة متطورة وليست مستقرة، تؤمن بالتغيير المستمر في المعلومة والأدوات والتقنيات البحثية كي تولد نتائج جديدة ومعاصر. ربما تظهر لنا بالجملة السابقة إشكالية الحداثة والعلم والسياسة. العلم والسياسة في محيطنا العربي لم يتطورا، فتمّ استيراد العلم واستمدت طرق ممارسة السياسة من تاريخ هذه المنطقة الغني.

بين العلم والسياسة تضيع بعض المفاهيم، فكيف يؤمن السياسيون ذوي العقلية التاريخية بقدرة العلم ذي الهوية الحداثية على حل مشاكل الوطن أكثر من بنادق العسكر وأنوف المخبرين؟!


مع تغريد البلابل وزقزقة العصافير
أناشدك الله يا أبي:
دع جمع الحطب والمعلومات عني
وتعال لملم حطامي من الشوارع
قبل أن تطمرني الريح
أو يبعثرني الكنّاسون
هذا القلم سيقودني إلى حتفي
لم يترك سجناً إلا وقادني إليه
ولا رصيفاً إلا ومرغني عليه

محمد الماغوط

الخميس، 2 أكتوبر 2008

ذكريات


ذكريات





يبرز الشوق فجأة،
يهجم على الذكريات كي ينكشها ويبرزها في الأذهان ماثلة أمام الحاضر الحزين.

تأتي الأعياد وتمضي دون أن نحسب الكلفة الدقيقة لمجيئها وذهابها لأننا لا نبرح المكان. أما إن كنت في المكان البعيد والزمان الغريب فستحسب الكلفة ويبرز الشوق والحنين إلى الوطن، إلى الأصل، إلى الأهل والناس.

القرية التي خرجنا منها، لم تخرج منا. إنها تسكننا حتى الأعماق السحيقة متربعة في ذاكرة الإنسان ومختزلة صورة الوطن الجميل البعيد النافر. إنها "الند" التي أعادت الذكريات الجميلة. قرية خلقها الله بيده، وأنبت فيها الزرع والضرع والإنسان. ليست ككل القرى.

ما الذي يملأ ذاكرة الغريب إن فاجئه الشوق كل حينٍ وحاضره لا يملك قرية لطيفة، ولا عادات جميلة.. لا يملأ الذاكرة إلا ّ الحنين..

سنعود ٌ يوماً إليها ..
هكذا أخبرني العندليب.
عيدكم مبارك

* الصورة لقرية الند بمنطقة الوقيبة في ولاية صحار العمانية. أخذت الصورة أثناء رمي اللحم في حفرة التنور.