الجمعة، 13 مارس 2009

ريتا والبندقية

ريتا والبندقية



بين عيني وريتا بندقية
والذي يعرف ريتا ينحني
ويصلي لإله في العيون العسلية

الاثنين، 16 فبراير 2009

رسالة للسادة المعتصم البهلاني ومعاوية الرواحي

رسالة للسادة المعتصم البهلاني ومعاوية الرواحي





للأخوين رسائل هُنا: معاوية الرواحي، المعتصم البهلاني.



السادة: معاوية الرواحي، والمعتصم البهلاني



تحية طيبة وبعد،،



لقد سعدتُ مرة أخرى بالرسالة الجميلة التي دونها معاوية الرواحي في مهذونته، وبالمقال الجميل عن الإقصائية الذي كتبه المعتصم البهلاني في موقع الحارة العمانية. ها هو الوطن يثمر كتاباً جميلين، فمرحا له، ولنا.



شارك الشاعر العربي أدونيس بأمسية نقدية مساء السبت الماضي بمدينة السلطان قابوس مع ضيوفٍ آخرين. أحسستُ بنشوة السعادة حينما كنت أستمع لكلمات أدونيس. وأدونيس هذا عجيب من طراز خاص. لقد ألقى الرجلُ "بياناً ثقافياً ضد الدين والسلطة السياسية" أمام الحضور والرسميين الذين مثلهم رئيس بلدية مسقط، وقد ضمن تصفيقهم لبيانه الثقافي! ربما، إن شاء الله يوماً، سأوردُ نص البيان في هذه المدونة التي تشرق عليها شمسٌ كل يوم..



أيها السادة الأصدقاء..

لقد أكد الرواحي معاوية ألاّ ضيرَ في التحالف مع القانونيين وإن كانوا ذوي دماءٍ سلطوية لأجل ضرب الإقصائيين الدينيين ضربة رجلٍ واحدٍ فلا تقوى عضلاتهم على العراك بعد ذلك. وقد أورد لنا المعتصم البهلاني نظرته بشأن الدوائر التي ينتمي الفرد الاجتماعي في سبيل حماية نفسه وفكره، كي يفسر لنا بعض مظاهر الحركة الإقصائية.



أعتقد، ولا أجزم، أن ما يدعو إليه معاوية هو جيد وسيءٌ أيضًا، لكن نفعه أقل من ضرره. السلطة تراهن على مسألة الثابت، فهي تمنيّ النفس بأن تكون الثابت الأكبر في الثقافة الجمعية بمجتمع عربي محمي من الرياح الخارجية. لهذا فإنها تبتعد عن زيد وعمر بمقدار حاجة زيد وعمر لها، ومن ثم تضرب الأول بالثاني، والثاني بالأول وتوهمهما معاً بالقرب من ليلى وجنة الخلد، وملكٍ لا يبلى، وما يمنيهما الشيطان إلاّ غروراً.



في الأيام الماضية وصف الكاتب السياسي عبدالله النفيسي الدول العربية بأنها تضاجع الشيطان. إنني أظن أن هذه الدول تمثل الشيطان في أحد أطواره على الأقل. هناك تجارب عدة في الدول العربية تحالفت خلالها السلطة مع الإسلاميين تارة، ومع الليبراليين طوراً آخر. وفي كل مشهد من مشاهد المسرحية تعاظمت حركات الإقصاء. لقد مارسها الملك الحسين بن طلال، والرئيس أنور السادات خلال فترة الثمانينات فاحتضنوا الإسلاميين لسببين اثنين: إقصاء اليسار العربي بشقيه: الليبرالي والماركسي ، وتجنيد الشباب العربي لمعسكرات الجهاد الأفغاني. إلاّ أن السحر لابد أن ينقلب على الساحر، فانفلت العقد من يد أخينا المصري ومات بسكاكين الإسلاميين، وأنجبت الأردن أحد أشهر الإرهابيين في الألفية الجديدة وهو أبي مصعب الزرقاوي، ولا ننسى أن الدولة الأردنية تعيش اليوم أزمة سياسية في نظر أبناء التيار الإسلامي الذي أقصي عن دار الحكم بقدرة ساحر!



إن السلطة –يا معاوية- لا تحركها حالة معرفية معلومة، كي يتحالف معها دعاة الحرية. لأن الهاجس المسيطر عليها هو هاجس ثابت متعلق بالثبات في المركز الاجتماعي، وفي الحالة السياسية الراهنة والمتجذرة في كلاسيكيات التراث. إن السلطة تتبنى خطاب "الحقيقة المطلقة الثابتة النهائية والمتألهة" والمصطلح لعلي حرب. لأجل هذا يا معاوية، كُتب على بني آدم الحذر في التعامل مع السلطة.



يعللّ المعتصم البهلاني ظاهرة الإقصائية بالدوائر التي ينتمي لها الفردُ، وقد تكون دوائر اجتماعية: كالأسرة، والقبيلة، والأحلاف القبلية، والإثنية،، أو دوائر فكرية: كالمذهب، والطائفة. ويميل الفرد –كما كتب البهلاني- إلى إقصاء الفكرة وصاحبها إن افتقد الآليات السليمة لتنقية الأفكار واستيعابها. أتفق مع البهلاني في هذا، بل والملاحظ أن الأفراد الغير متجذرين في هذه الدوائر اجتماعياً أو فكرياً أنهم سرعان ما يأكدون انتمائاتهم لهذه الدوائر إن استدعى الظرف الاجتماعي أو الفكري لذلك، وأبرز مثال لهذا هو الفرز الطائفي والمذهبي عند العلمانيين والملاحدة في "العراق الأمريكي"، لأنهم دون الانتماء لهذه الدوائر ستدوسهم الأقدام، "مثال: أحمد الجلبي".



هذه الدوائر الحاضنة هي نتاج لمجتمعات ذات بنيات ثقافية لم تتعرض للخدش أو التغيير بصورة ممنهجة، ولهذا فإن نتاجها يظل متشابهاً ومتكرراً "مثال: الإقصائيون". كسر هذه البنيات الثقافية يكمن في ركيزتين مهمتين: التعليم، والإعلام. لنتحدث عن سلطنة عمان كتطبيق هنا. لقد تم تغيير المناهج الدراسية لجميع المراحل التعليمية بالسلطنة، إلاّ أن الخطاب الجديد ليس ذي جاذبية أكيدة. إنه خطاب ضعيف الصوت، مهزوز الإيقاع ويبدو غريباً في مجتمع يعيش بمنطق آخر، ويفقتد للأمثلة الكاريزمية، والتطبيق العملي. الخطاب الجديد يدعو إلى التسامح بصوت خافت، والجهة المسؤولة عنه –كما يبدو لي- لم تعنَ بإخراجه إخراجاً احترافياً كي "يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار". لهذا فهذا الخطاب المتسامح والضعيف يسقط سريعاً أمام الخطاب الشرس الذي يسمعه النشّـأ في وسائل الإعلام "الغير حكومية"، وفي خُطب الجمعة التي تهرب أحياناً عن الخطب الرسمية لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالسلطنة.



لطالما كان الخطاب الديني الرسمي بسلطنة عمان خطاباً هادئاً ومتوازناً "بشكل عام" مع التغييرات الإقليمية. لهذا لم نجد المصنفات العمانية الحديثة أصيبت بداء الإقصاء المباشر. عليه، يردد الكثير أن النبرة الإقصائية التي تسللت للدينيين قد جاءت من وراء الحدود، ويقصدون هنا من "التيار السلفي". لقد قُلبت هذه النظرية مؤخراً بإصدار وزارة الأوقاف 50 ألف نسخة من كتاب "العقل" للشيخ أحمد الخليلي مفتي عام السلطنة. وقع الكتاب بيدي، وأظن أنه أعطى الشرعية المباشرة للإقصائيين بحكم الشرعية الدينية التي يتمتع بها مؤلفه: "ربما لن يختلف معي القاريء الموضوعي للكتاب بأنه كتاب إقصائي لمخالفي مؤلفه". ويبدو لي أن الشيخ سار –من حيث لايدري- على منوال عبدالله الشعيلي مؤلف كتاب "الولاء" الذي حاول إسباغ الشرعية على الإقصائيين السياسيين من خلال كتابه، إلاّ أن الشعيلي لا يتمتع بالمرجعية السياسية ولا بالكاريزما التي يتمتع بها مؤلف "العقل" الشيخ الخليلي، فأُهمل كتاب الولاء، وبقي كتاب الخليلي ماثلاً في الحاضر الاجتماعي الإقصائي، وفي هذا بلاءٌ عظيم!



مَـا العمَـل؟



إننا نرى هنا أن الممارسات الإقصائية المستمرة والمتكررة تاريخياً تخلق نمطاً ثقافياً لايلبث إلاّ أن يتجذر في المنظومة الثقافية العامة لمجتمعٍ ما. إننا بحاجة "لحركة منظمة وواعية" لخلق جيل جديد غير إقصائي. هذه الحركة تكون من خلال مؤسستي التعليم والإعلام الاتي ينبغي أن يحرّكهما مؤسسات المجتمع المدني بشرط تواجد انفتاح قيمي في الإطار الفكري للمنظومة السياسية "مثال: المنظومة القيمية الجديدة التي أدخلها أتاتورك في تركيا بعشرينات القرن الماضي". الخيار الآخر، هو وجود أمثلة شخصيات اجتماعية غير إقصائية وذات كاريزما طاغية وبارزة للعيان تكون على طراز المهاتما غاندي في الهند، تدعو إلى التآلف والتعاضد واحتضان الآخر والاعتراف به. هذا الخيار سيكوّن بؤر ثقافية، لكنها تستهلك الكثير من الوقت لتنتج واقعاً اجتماعياً أقل إقصائية.



وبما أننا -يا معاوية- لسنا ضمن الخيار الأول، فإنه يجدر بنا إلتماس الطريق الثاني..



هل ستعطي الإقصائي خدك الآخر؟

لا يا معاوية. فنحن أيضًا لسنا من حواريِّ المسيح، لكننا نتبّع في الصراع أساليب أكثر تحضّراً.



لكم التحيّـة..



الخميس، 22 يناير 2009

رد قارئة على "الحسين بن علي ولعب الكرة"

رد قارئة على "الحسين بن علي ولعب الكرة"


كتبت الأخت طالبة طب تعقيباً على "نافذة الحسين بن علي ولعب الكرة":

"على الرغم من إعجابي بكتاباتك ومتابعتي الدائمه لمدونتك، إلا أنني وجدت في هذا الموضوع ما استفزني بشدة،،
أنت كاتب،،أنت تمتهن الكلام،،أنت تعبر عن رأيك وتنفس عن غضبك من خلال مدونتك ..ولكن غيرك (غير الكتّاب) لهم طرقهم في التعبير، وقد يكتفي الأغلبية بالدعاء، ولا أظن أنك تخالفني الرأي بأن الدعاء لهم (وهذا أضعف الإيمان) لهو أفضل من مجرد "الكلام" الذي تقوم به هنا!!
ثم تأتي لتشكك في نية المصلين عند قولهم آمين!!!
أكثر الكلام إيلاماً عندما تقول "...المسرحية التي يتقنها الجميع بكل نفاق!!!!!"
ألا تعتقد أنك تبالغ قليلا بأنك الوحيد المتأثربالذي يحدث في غزة؟؟ وأنك الوحيد صاحب النية الصادقة من بين جموع المصلين؟؟؟
هل لي أن أسألك ماذا قدمت أنت لأهل غزة غير "الكلام"؟؟؟"

أختي العزيزة،
no offense كما يقول أصحابنا المشتركون. ولا أتضايق من الآراء المختلفة معي إطلاقاً. ربما يجدر بي أن أصحح لكِ -أختي- أنني لستُ كاتباً، فأنا لست محترفاً. إنني أشخبط، أو أهذون حسب مصطلح معاوية الرواحي. إنني فقط أحاول التعبير عن نفسي مستخدماً التقنية بحذر كبير كي أتجنب آلهة جوجل، وهذا ليس موضوعنا على أية حال.

لقد افترضتِ أنني غاضب حقاً مما يحدث في غزة، أو أنني أتفاعل مع ما يحدث هناك، أو أنني قد أكثرت الكتابة حول مأساة أهل غزة. لا، هذا لا يطابق الواقع كما أعتقد.

إنني أعيش حياتي بشكل معتاد يا أختي الطالبة. لا أتابع التلفاز مطلقاً، وأسمع الموسيقى بشكل لحظي تقريباً. شاهدتُ فقط لقطات من اغتيال سعيد صيام بالصدفة وشعرتُ بالأسى. حتى الجرائد التي أشتريها بكثرة، فإنني أتجاهل أخبار غزة. إنني أحاول إبعاد نفسي مما يثير القلق. الشيء الوحيد الذي فعلته من أجل غزة -ولا يجدر بي ذكره هنا- هو التبرع المالي.

إنني لم أحاول أن أشكك في نية المصلين كي أقول أن نيتي هي الصادقة. إنني لا أعلم ما تخفيه الصدور كما جاء في القرآن، إلاّ أنني عاقل تماماً، وأستطيع تقدير بعض المشاهدات في الحياة اليومية. مصلو الجمعة هم ناس، والناس تشكل مجتمع يتأثر بالمتغيرات والظروف المحيطة. وهم قد تأثروا بكل تأكيد ببطولة كأس الخليج، وأحداث غزة. إلاّ أنه يجب التفريق بين الأثرين.

ما فعله المصلون يوم الجمعة ذكرني بأحد شعراء العصر العباسي الذي أتى مهنئاً الخليفة باعتلاءه عرش دولة بني العباس. لقد أنشد الشاعر قصيدة جاء فيها أن إحدى عينيه تبتهج بإعتلاء الخليفة الجديد العرش، والعين الأخرى تبكي موت الخليفة السابق، ولايخفى عليكِ النفاق في هذه الصورة الشعرية، فالله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه كما جاء بالقرآن. غني عن القول إنني لا أتذكر اسم الشاعر ولا الخليفة ولا القصيدة، لكنني سأحاول البحث عن هذه المعلومات من بعض الكتب. وموقف المصلين يذكرني أيضًا بكتاب أدبي للتركي عزيز نيسين اسمه "يساري أم يميني"، وجاء على غلاف العمل الأدبي شخص منقسم على نفسه لا يدري أهو من أهل اليمين أم من أهل اليسار.

إنني لا أستطيع أن أفهم يا أختي العزيزة الصراخ والدعاء القوي الصادر من أهل المسجد لأهل غزة، والذي سيعقبه بعد 4 أو 5 ساعات احتفالات صاخبة في الشوارع ابتهاجاً لفوز المنتخب العماني على منتخب منافس. إنني لا أفهم الصراخ لكنني أستطيع فهم ما يدفعهم لذلك.

هؤلاء لا يتجنبون ما أحاول تجنبه، إنهم بلا شك يقرؤون الصحف ويشاهدون الجزيرة يومياً، وبها صور الدم، والأبنية المهدمة والتصريحات المثيرة للاشمئزاز. كل هذا يثير في أنفسهم عقدة الذنب والتقصير تجاه أهل غزة، إلاّ أنهم لا يحارون طريقة مناسبة للتعبير عن ذلك، فانسداد الأفق السياسي في البلد والمنطقة يمنع ذلك بكل تأكيد. ثم يأتي خطيب الجمعة ويبدأ الصراخ من على المنبر ليزيد منسوب المترسب في "وعيهم"، وحينما يأتي وقت الدعاء فإنهم يتفاعلون بقوة معه، وينوسون بشدة مع دعاء الخطيب الذي بدوره يدعو على الصليبيين والكفار واليهود والمسلمين الخونة. هنا يفرّغ المصلون ما ترسب فيهم خلال أسبوع مضى، وبهذا يخرجون من المسجد خفيفي النفس ومرتاحي البال.

على الطرف الآخر، نرى يا عزيزتي آثار بطولة كأس الخليج. لا أخفيكِ أنني في خضم هذه البطولة زرت مدناً عمانية عديدة. مررتُ على الباطنة من شناص إلى بركاء، وأيضًا كنت بمسقط ورأيت الزينة والأعلام والفرحة العمانية والأمل الكبير في الكأس -الذي أحرِزَ لاحقاً-، ولكنني لم أرى أعلاماً فلسطينية أو حمساوية. إن هذا يعكس تعلقهم بالبطولة وقلة اهتمامهم بما يحدث في غزة. إنهم يعبرون عن حبهم للبطولة بكل أريحية لأن المجتمع والإعلام يوجههم إلى ذلك، لكنهم لا يفعلون ذلك لأهل غزة.

هذه هي مشاهداتي لما يحدث أمام عينيّ أختي العزيزة، وأعتقد حقاً أننا لسنا متعلقون بغزة كثيراً. يحركنا الواجب تجاههم، وتمنعنا "الشهوات وحب الدنيا". ويا ترى ما هي الدنيا التي تدفعنا لتناسي الموت والأرض الخراب؟!
أتمنى أن تطرحي آراءكِ إن قدّرتِ أنها تخالف ما عندي.
وأتأسف يا أختي إن جرحتُ شعوركِ.

حمد الغيثي

الخميس، 8 يناير 2009

جيحون وأشكال الصراع

جيحون وأشكال الصراع


ذكر لي صديق أمضى بمؤسسة حكومية ما يقارب 20 سنة أن موظفة مبتدئة بدأت تزحف نحو صلاحياته الإدارية والفنية. سألته لماذا يحدث هذا؟ قال: صراع أجيال!

جعلتني مقولة صديقي هذا أستذكر أشكال وآليات الصراع في جيحون. لقد ذكر الرجل "صراع الأجيال"، وهو إحدى أشكال الصراع المتعددة التي تحدث في أنحاء العالم كل يوم.

في دولة جيحون يوجد صراع بكل تأكيد لأنه مجتمع بشري، لكن الجميع يعمل على إخفاء إحداثيات الصراع ونتائجه رغم أنها تظهر للعيان في أحيان قليلة. جيحون دولة مستقرة سياسياً، إلاّ أنها تشهد العديد من الصراعات التي تحدث تحت الطاولة مثل صراعات الأجيال، وصراع تحديد الهوية والوجهة، والصراع الديني-الديني، والصراع الديني- العلماني، والصراع الديني- اللاديني، والصراع المذهبي، وصراع الطبقات الإجتماعية المهم في كل المجتمعات والمتمثل بصراع البرجوازية الصاعدة مع الأرستقراطية، وصراع الطبقة المتوسطة مع الطبقة العليا، وصراع العمال مع الجميع، ولاننسى الصراع السياسي..إلخ

نعم، لقد قلتُ إن جيحون دولة مستقرة إلاّ أنها تشهد كل هذه الصراعات وإن كان يحدث هذا يحدث تحت الطاولة لأن "الطبقة الحاكمة" لا تسمح بظهور أشكال الصراع إلى العلن إلاّ أنها تحاول -كلما حالفها الحظ- في إدارة الصراع كي لا ينشأ الانفجار تحت ضغط القانون الفيزيائي المهم "لكل فعل ردة فعل مساوية له بالمقدار ومعاكسة له بالاتجاه".

هنا سنتناول جيحون وأشكال الصراع فيها، لأن الصراع هو محرك التاريخ كما تقول بعض النظريات الفلسفية، وربما يقول القرآن كذلك. لكن قبل أن نبدأ ثرثرتنا حول الصراع يجب أن أخبركم قليلاً بعض المعلومات الأساسية عن"دولة جيحون"، ولاتنسوا أنني أعتمد في هذا على الخيال:

إنها دولة ملكية مطلقة Absolute Monarchy، يحكمها ملك. يبلغ تعداد الدولة مليون مواطن، وبها نصف مليون وافد. للدولة حدود برية وبحرية مع الدول الأخرى. لها دستور منحه الملك للشعب. تبلغ نسبة الأمية في جيحون 30% تقريباً. اقتصاد جيحون يعتمد على بعض الصناعات السلعية (سوف نغير هذا كلما اقتضت الضرورة).

جاء في كتاب "موسم الهجرة إلى الشمال":

"نعلم الناس لنفتح أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبوسة. ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة- الحرية. نحرر العقول من الخرافات. نعطي الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرف فيه كما يشاء". ص 153.


السبت، 3 يناير 2009

جيحون أو الأرض اليباب

جيحون أو الأرض اليباب


جيحون دولة عربية افتراضية سوف ترافقنا منذ اليوم في هذه المدونة. هي افتراضية وليست حقيقية، وأشددُ على هذا كثيراً. ستكون جيحون صديقة جديدة أثرثر حولها، وأنشر عنها بعض الأكاذيب. أرجو أن تضعوا هذا في أذهانكم عندما تقرؤون عنها هُنا.

جيحون دولة جديدة أضيفها لدول الصفيح والطوائف العربية. إنها على غرار دولة "موران" التي اخترعها الروائي السعودي عبدالرحمن منيف في خالدته "مدن الملح". عن هذه الدولة سأتكلم منذ اليوم، سأقول عنها بعض الأشياء، وسأنشر بعض الآراء التي أتمنى أن تتقبلوها بأريحية الموتى.

لماذا "جيحون"؟
ربما يغريكم الشيطان بهذا السؤال، لذا قررتُ أن أختصر المسافة. لهذا الاسم دلالة لغوية أستطيع رؤيتها بشدة، ومتأكد أنكم تستطيعون. إلى جانب ذلك، هذه اللفظة أطلقتُ تاريخياً على إحدى الدول الغير رائعة.
في هذه الرحلة سيرافقنا بعض الشعراء أصحاب الكلمات الجميلة، ربما محمد علي شمس الدين، ربما محمود درويش، ربما نزار قباني، وأكيداً أمل دنقل..

جيحون، ستكون معنا، ونحن معها،
والطريق يمضي حتى الافتراق..


الاثنين، 8 ديسمبر 2008

عيد سعيد

عيد سعيد

يرى البعض العيد مناسبة دينية، ويراها البعض مناسبة اجتماعية. ومهما يمثل العيد لكم، أرجو منكم أن تستمتعوا به جيداً، وبكل إثارة وتعب ممكن. يقولون إن فرحة العيد بتعبه. لقد جهزتُ الكاميرا لرصد اللحظات الفارقة غداً. سأصور صلاة العيد، وربما لحظات الذبح والدماء، أيضًا لن أنسى تصوير الشوارع الخالية، ورمي "المشوي" في حُفرة التنور. سأعمل على المتعة، وأرجو أن تستمتعوا حتى التعب.


بين الكلمات أتذكر أصحابي الذين يقضون أعيادهم في برزبن، أتمنى لهم أعياداً سعيدة تتغلب على ثورة المناخ هناك. هناك أصحاب في الوطن لا يجدون طعم العيد، وهناك أصحاب في المستشفيات لا يرون إلاّ الأغطية والأسقف البيضاء. أتمنى لكم لحظات سعيدة في هذه الحياة أيها الناس.

عيدكم سعيد..

الأحد، 2 نوفمبر 2008

حول العلم والدين

حول العلم والدين


مقال جميل كتبه المفكر خالص جلبي في "إيلاف" يقتنص لحظات انفلات العلم من كماشة الدين. هناك نافذة سابقة في هذه المدونة بعنوان "بين العلم والسياسة"، كانت قصيرة إلاّ أنها لمّحت إلى إشكالية العلم والسياسة في ثقافتنا العربية. هذا المقال للجلبي يغطي زاوية أخرى لمعيقات العلم في مجتمعاتنا وهي زاوية الدين. هناك كتب عربية تسلط الضوء على هذه الإشكالية منها كتاب عمر فروخ "عبقرية العرب في العلم والفلسفة".


المدفع يفتح ثغرة في قلعة أرسطو الفكرية


كان المدفع هو الذي فتح ثغرة في فكر أرسطو، ومع أن كل متأمل يرى سير القذيفة على نحو منحن، ولكن أرسطو الدماغ الأكبر كان يرى أن سرعة الأجسام عند السقوط تتزايد لأنها تتحرك في (شوق) إلى موقعها الطبيعي المنخفض!! وأن الجسم يلتمس سعادته (كذا) بالسقوط عموديا إلى الأرض؛ حنى جاء (نيكولو تارتاجينا) وهو اسم مستعار ومعناه (المتلعثم)؛ فأصدر كتابه المترجم (عام 1543م) عن أرخميدس، وأن مسار الأجسام في الأوساط يعتمد قوانين نوعية، وهي التي دفعت أرخميدس يومها أن يقفز عاريا، بعد أن تعرت له الحقيقة ويصيح أوريكا.. أوريكا أي وجدتها وجدتها.. حينما استوعب قانون طفو الأجسام في السوائل.
وفي هذا العام 1543م أصدر (كوبرنيكوس) كتابه عن دوران الأرض والشمس؛ فزلزلت الكنيسة وارتاعت، ويصف المؤرخ (ديورانت) هذا العام بأنه عام العجائب، لأنه تم خرق (التابو) في الفلك والجغرافيا والجسم الإنساني، ففي نفس هذه الفترة مسحت جغرافيا الأرض على نحو جديد، بعد إبحار ماجلان عام 1519 ودورانه حول الأرض.
وبعد (كوبرنيكوس) تحولت الأرض إلى ذرة تافهة في المحيط الكوني.
وقام (سرفتيوس) بخرق حرمة الجسم فبدأ في تشريحه، حتى طاردته الكنيسة، فهرب إلى أسبانيا، وهناك قام بضربته العبقرية في إنقاذ ولي العهد (كارلوس) من نزف في الدماغ، حين ثقب الجمجمة، فاتهمته الكنيسة من جديد، بأنه حليف للشيطان، فهرب مرة أخرى من أسبانيا.
والعبقريات لا تولد هكذا..
ولعل سرها كما رواه (جيمس بيرك) صاحب كتاب (عندما تغير العالم) أن نوياته الأولى كانت من نشاط علماء متبتلين، جازفوا بحياتهم ضد البابوية، ومحارق محاكم التفتيش، مثل و(مارين ميرسين) الذي قام بنشاط خطير عام 1630م، حين بدأ يعقد جلسات سرية مرتين أسبوعيا، لاستقطاب الأدمغة في أوربا، وفي مجلسه ذاك وصل (ديكارت) إلى منهجه في الهندسة التحليلية مع طنين ذبابة.
وكما يقول (مالك بن نبي) أن تفاحة نيوتن عند (جده) لم تزد عن قضمات من فاكهة ممتعة، كما كان يفعل الملك (هنري الثامن) وهو يقتل ستة من زوجاته بقطع الرأس بالساطور والبلطة؛ أما نيوتن فعاش في ظروف متخمرة، قدحها نشاط حميم في أوربا، وتيار متدفق من العبقريات، بدأت تأخذ التأثير العكسي المتبادل، وهكذا ولدت العبقريات، وعلى نحو متدفق متسلسل؛ ففي عام 1615 م يكتشف كبلر قانونه الثالث في الفلك، أن الكواكب تتهادى في الفلك الأعلى في مواقع تتراوح بين (مربع) السرعة، ومكعب بعدها، من تأمله كيف كان تجار الخمور يقيسون حجم البراميل بعصا مائلة.
وفي عام 1628م يكتشف (وليم هارفي) الدورة الدموية.
وفي عام 1632م يضع (جاليلو) كتابه المزلزل عن دوران الأرض والشمس، ومعها تسقط ورقة التوت عن عورة الكنيسة، بعد أن دخلت القرن السابع عشر بمشاعل مخيفة من محرقة (جيوردانو برونو)، الذي خالف الكنيسة بوجود عوالم لانهائية، فهي من آيات الله في السموات والأرض، وما بث فيهما من دابة، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.
وفي عام 1637 م يضع (رينيه ديكارت) (المقال على المنهج)، وبهذا يعتبر من البناة النظريين للحضارة الحالية العقلانية.
وفي عام 1648م يقوم (توريشللي) بقياس الضغط الجوي.
وفي عام 1661م يشق (بويل) طريقه إلى الكيمياء الحديثة، وبذلك ينتهي العصر اليوناني ونظرية القرون الوسطى، في فهم الكون على أساس من العناصر الأربعة: (التراب والماء والهواء والنار)؛ لينتهي الموضوع مع (ديمتري مندلييف) الروسي في وضع تصنيفه (الدوري) الرائع عن العناصر المعدنية.
أما (أوجست كيكول) فقد جاءته تلك اللحظة من وميض العبقرية في فهم الكيمياء العضوية وترابط ذرات الفحم على شكل أفعى تلتقم ذيلها، وكان مناما صادقا فتح الطريق لتأسيس علم جديد.
ويقول الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) في كتابه (النظرة العلمية) أن خلاصة النهضة الأوربية وعصر النهضة يدين لمائة دماغ لا يزيد، ولو تم اغتيالهم واصطيادهم على أيد مخابرات الكنيسة، لما كان هناك نهضة، ونحن في العالم العربي اليوم نعيش هذا العصر من ظلمات ومخابرات العصور الوسطى، بما تحمل من تعصب واضطهاد وتثبيط لكل نشاط عقلي إبداعي..
وهذا يذكر بكتاب الاعترافات الخطير الذي وضعه الكاهن (جان مسلييه) الذي يستحق مقالة خاصة به، وحين قرأ أهالي الأبرشية وصيته؛ نبشوا قبره، ولعنوه، ونشروا عظامه، وتبرئوا منه، بعد أن خدم الكنيسة ثلاثين عاماً، بكل صدق وإخلاص، كما ذكر في وصيته، معترفا بأنه كفر بالبابا والكنيسة، ولم يتجرأ حتى (فولتير) المعروف بسلاطة لسانه، وسخريته من رجال الكنيسة ودينها، على نشر كامل الوصية، بل اقتطف مقاطع من وصيته، فيها من الوهج والطاقة ما تتحمله عقول القراء دون أن تحترق...
وهكذا فأوربا الحالية لم تولد هكذا ولم تتخلص من قبضة مارد الفاتيكان بسهولة..
وقام (دين كيث سايمنتن) في كتابه (العبقرية والإبداع والقيادة) بدراسة جدية معمقة لكل العناصر المتعلقة بظروف ولادة العبقريات، وهو يذكر بكتاب (المسائل) للكاهن الفرنسي (مارين ميرسين) الذي وضعه حول البحث العلمي وانه يقوم على ثلاث قواعد: رفض كل ما يتعلق بسلطة سابقة. اعتماد الملاحظة المباشرة والتجربة. وصياغة النتائج على شكل رياضي.
قام سايمنتن بدراسته على نمط منفرد مثل: الدراسة العلمية لعباقرة التاريخ عموما، والأسلاف والمورثات والأجيال، والشخصية والطابع، والتعليم، والإنتاجية والنفوذ، والعمر والإنجاز،والجماليات والكاريزما، وروح العصر، والعنف السياسي وتثبيط البحث العلمي، وقوانين القياس التاريخية.
والرجل وصل إلى نتائج مثيرة حقا وينصح بالإطلاع عليه، وأنا قرأته أكثر من مرة، على قاعدة قراءة الكتاب الجيد أكثر من مرة، على قراءة أبحاث تافهة، تأتي مع بحر الانترنت في زبد يضر بالعقل, أو محطات فضائية تعتمد التهويش والمراء في النقاش، وقد نهينا عنه.


المصدر