الأحد، 2 أغسطس 2009

الخسارة في الجانب الآخر من عُمان

الخسارة في الجانب الآخر من عُمان
نقلاً عن مهذونة معاوية الرواحي



من أجمل ما كتب معاوية الرواحي في مدونته. ما كتبه الرواحي -وأنقله هنا اليوم- قريب مما قاله الشاعر العربي القديم:" أمرتهم أمري بمنعرجِ اللوى.. فلم يستبينوا النصحَ إلاَّ ضحى الغدِ". والأمرُ كما أراه لا يخرجُ عن تحرك عجلة المجتمع العماني التي ركلتها الحكومة في الألفية الجديدة لتؤثر على المعادلات الاجتماعية والاقتصادية في عُمان، دون أن يكونَ هناك لاعب آخر يركل الكرة في الجهة الأخرى. أترككم مع ما كتبه معاوية، وهو يستحق التأمل الشديد.


أستطيعُ أن أقولَ أن قواعدَ اللعبة انكشفت بعض الشيء أمامَ عينيَّ. ربما، ولهذا السبب تحديداً لم أستطع النوم على الإطلاق، ربما لأن مدينةً، أو فلأكن أكثر دقةً [وطناً] مثالياً استطاعَ أن يعبرَ بي هذه الليلة ذاكرتي كاملةً، كما استطاعَ أن يعيرني سمعَه وعينيه ولسانه وشفتيه.

&&&

قواعد اللعبة لم تكن أكثر وضوحاً من هذه اللحظة، والخيارات المطروحة ليست مثل حلاوة [أمرين أحلاهما مرّ]. يبدو أن الإحباط الوجوديَّ الذي أشعرُ به في هذه اللحظة بالتحديد قد استطاعَ أن يتسلل خلسة ربما من المرارةِ الوجودية أيضا في سقفِ حلقي إلى المرارة الوجودية أسفل دماغي إلى المرارة الوجودية أعلى دماغي. لا أذكر الآن بالتحديد أن هو مركز الذاكرة قصيرة المدى ولكنني متأكدٌ تمامَ التأكد أنَّ فكرةً واحدةً تجولُ فيه.

اللعبة الآن لها شروطٌ واضحةٌ للغاية، وشروطُها ليست تعجيزية كما يتوقع البعض [ربما لا زلتم تتساءلون عن اللعبة التي أقصدُها]، ولا تذهبوا بعيداً في تفكيركم ــ الذكيِّ ولا ريب ــ فاللعبة هي لعبةُ العيش، والعيش الذي أقصده ليس العيشَ بمعناه العام، وإنما العيش في عُمان ــ بل أكاد ربما أحدد وأحصرُ العيش في مسقط لولا أنني لستُ بصدد تناول غلاء الإيجارات والحديد، ونصف رواتبنا الذي يذهب في بطونِ أصحاب العِمارات [العمانيين ــ الذين هم منَّا وفينا وبعضهم ربما أولاد قبائل ووزراء وأولاد نيابة] مثلما بعضهم أولاد حرام وكلاب ولصوص ومستغلين ومتسلقين وحقراء وتفَّه وسفلة. نعم في بلادي عُمان يجتمع هذا المزيج المتناقض من البشر في مكانٍ ضيِّق لا يعبأ بمهذونٍ مضروب على رأسِه أو بحفنةٍ من الشباب العمانيين الذين اعتقدوا أنَّهم بحفنة من الحروف المجمَّعة بعناية [أو بدون عناية] على شاشة الحاسب الآلي المحمول المزمول ربما، يعتقدون أنَّهم باستطاعتهم تغيير شيء من القرف العام الذي يحدث على مسمع ومرأى من الجَميع، والكُلُّ يكادُ يجمعُ على الحقيقةِ المُرَّة، الكل يريد أن يعيشَ وأن يأكلَ [خبزاً] ولعلَّ لقمة الخبز هذه هي الشيء الوحيد في هذه البلاد التي لا يمكن التفريط فيه. لا زلتم ربما ضائعين تحاولون فكَّ طلاسم هذه الهذونة الجادَّة التي ربما وللمرة الأولى أعني فيها ما أقول، أو أقولُ فيها ما أشعرُه في حالة صوفيَّة، [ليست صوفيَّة على طريقة الحلَّاج بقدر ما هي خشنة كجونية الطحين] تكاد من خشونتِها أن تبردَ الأصابعَ لتكون بكماء، فالأناملُ هي التي تتكلمُ في هذا الزمان الجديد، وهي التي تحاولُ جاهدةً أن تبعثَ الصرخةَ في هذا الموات الذي بدأ بالتسرطن، مواتٌ علنيِّ للضمير الجمعي، أو للفكرة الأخلاقية الجَمعية/ للقيم كما يصوِّرها المثاليون / أو لتلك الروح العُمانية كما يحلو لي أن أسميها تجاوزاً [فالروح من أمرِ ربِّي]. هذه المرَّة ليس أمامي سوى الخوض مع الخائضين، الخوض على طريقة جامعة السلطان قابوس، أو على طريقة سدِّ الخوض الهائل، أو تلك البيوت الفارهة التي تقعُ على جانبيِّ شارعِ الجامعة وأنا أشاهد الصفائح التكتونية المجتمعية تنفصلُ كما يتمزَّقُ [سنجاف] حبوتي حماموه في كلِّ عيد وهي تنزعُ السنجاف القديم من الثياب القديمة لتحيك لبناتِها [كذبةً] صفراء على هيئة ثوبٍ عُمانيِّ [بدون شقٍّ وريمبو]، حماموه التي تحلمُ في يومٍ من الأيَّام أن يتكرَّم [حبابُها] الشايب تكاليف رحلتِها إلى البيتِ الحرام. حماموه التي لا تصلِّي ولا تصومُ ولا تقبِّل غرباً[1] ولا تعرفُ لو سئلت عن جنسيتِها ما هي، لأنَّها مذ خلقت تحت ظلِّ النخلة لا تفهمُ كلماتٍ مثل الوطنية، أو الوطن، أو الانتماء لأنَّها ليست بحاجةٍ إلى هذه الزوَّادة من المفردات التي طفق مئات البشر يطفحونَ بها علينا كما تطفحُ المجاري.

&&&

للمرةِ الأولى التي أشعرُ فيها أنني لا أريدُ أن أقولَ ما أريدُ قولَه، ربما لذلك أذعنت لنداءِ اللغة وطفقت هكذا أسكب من فيضِها [لا فيضي] المدرار مئات الحروف التي تزيدُ الفكرةً عمىً وتضيعكم كما تضيعني مع هذه السطور التي تزيدني أسىً وحزنا وحسرةً. لأنَّ اللعبة ربما شاءت أن تجعلني في منتصف الصفيحة التكتونية التي تتمزق، وقدمٌ هُنا وقدمٌ هُناك والحياةُ ليست أكثر من لعبةِ قُمار، أليسَ قماراً ذلك الذي رمى مستقبلَه كاملاً وراء حلمٍ صغير، أو أمنية بعيدة للغاية، أو قماراً ذلك الذي حطَّم كل ما لديه ليبقى من أجل استمرارِ آخرين نسوه تماماً فورَ أنَّ أكملَ لهم دينَه وأتمَّ لهم حمايتَه. أو ربما مئات المقامرين الذين أصبحوا بين ليلةٍ وضُحاها [سماسرةً] يركضون ركضاً وراءَ [صفقة العُمر] التي ستنهي سيرهم المُعتاد في الحياة وتحوِّلهم ببركةِ الغلاء النفطيِّ المُفاجئ ولعبة تجَّار العقارات إلى أشباه أغنياء، إذ رأوا الجار، وابن الجار وأخِ الجار وعمِّ الجار يصبحون بين ليلةٍ وضُحاها أثرياء مكتفينَ يقدِّمون استقالاتهم على ورقةٍ ممزقة من كرَّاسة رسم ابنهم الصغير. نعم ذلك يحدثُ في عُمان، وقد حدثَ كما ينفجر زلزال في مجتمعٍ غير نمطيٍّ لينتجَ ركاماً هائلا من التوابع الزلزالية، وليتحوَّلَ الناسُ هكذا دون سابق إنذار إلى بائع/ ومشتري، الأول ينتظرُ الطامَّة أن تزيد وأن تخنقَ المئات من ذويه وأبناء بلدِه العُمانيين أبناء القبائل أولاد الأصل، والآخر ينتظر أن تهوي الأرضَ بمن بها، والنفطَ بمن اشتراه وباعَه ليستطيع إكمال ثلاثة آلاف طابوقة موصلة بالإسمنت عليها بعض الطلاء والحديد. ولا زال الإعلامُ يغنِّي والأدباء يكتبون وكتَّاب المنتديات ينقدون والخسارةُ الكُبرى ليست فيما يقولونَه أكثر مما هي في أنفسِنا. هل بدأت الفكرة تتضح أمامَكم يا سادتي الكرام ويا سيِّداتي الكريمات الرائعات المذهلات العُمانيات منكن وغير العُمانيات.

&&&

يزداد الزحام كثافةً أمامَ العدد الهائل من الحالبين الوافدين الداخلين أرض النفطِ واللبان وأرضَ المواطنين الراضين بالحال الشاكرين الله على النعماء الحامدين الله على الضراء وكله لهم خير. يزداد حتى تفتحون أعينكم معي على عُمان الجديدة، وهي هذه المرَّة ليست عمان التاريخية التي يحلو للإعلام تضليلكم بها، أو عُمان الآيدلوجيا العَريقة التي فشلَ المستعمرون البرتغاليون في تسميم نقائها، تفتحون أعينكم معي على عُمان الجديدة التي يفرُّ فيها المرءُ من أخيه وأمِّه وأبيه وصاحبته التي تطبخ له الطعام والشراب. تفتحون أعينكم على عُمان أخرى ليست كما عرفتموها بقدر ما هي عُمان مختلفة لم تعد أمَّ الجميع، بل هي أمُّ البعض / البعض / الذين أفلتوا من العاصفة واعتصموا بحبلٍ من حِبالِ الغد إذ اكتشفوا بقاء الأوراق الرابحة في أيديهم. ولم يعد الرقم الرابحُ أو الورقة التي لا تفقد قيمتها شهادة تعليمية أو وظيفة تدرُّ قطراتٍ من المال، بل في عُمان الجديدة يخرجُ نمطٌ لقيطٌ من أنماط العاصفة العشوائية التي هبَّت على هذا المُجتمع المُطمئن الذي سعت السلطة إلى الحفاظ عليه ومنع كلِّ المؤثرات العقلية أن تنالَ من ثباتِه. فعُمانُ اليومَ صفيحة تكتونيةٌ تنفصلُ بهدوء منذ 2004م على مشهدِها الاجتماعيِّ الجديد الذي سيحددُ، أو بالأحرى ستحددُ المنظومة التي يقبلُ بها الغنيُّ والفقيرُ كيفيةَ سيرِها من الآن فصاعداً، الغنيُّ الذي يحلمُ بتغيير استخدام قطعة أرضٍ من سكنيٍّ إلى تجاريٍّ، والفقير الذي يحلمُ بالحصول على قطعةِ أرض يستطيع تغييرها من سكنيٍّ إلى صناعيٍّ، أو مضمِّر الإبل الذي يحلمُ بالناقة [السبوق] التي ستدرُّ عليه [العيشَ] الحسنَ على مسمعِ ومرأى من العالمِ الذي أجمعَ ووافقَ على سيرِ الحياة بهذه الصورة. فمن أفلتَ يمهِّد لمن بعدِه أن يفلتَ أيضاً، ومن لم يفلت تعلَّق بحبال الأملِ أن يستطيعَ الفلات، أو حمدَ الله مئات المرَّات على راتبِه الذي يكفيه بعد استقطاع قرض البيت لسداد مصاريف الطعام والعزبة في مسقط. فاللعبة الآن أضحت واضحة للجميع لأنَّها ليست معقدَّة على الإطلاق فالمنظومة العُليا المسيِّرة المُختارة اختارت المضيَّ قدماً في سحب الصفيحة التكتونية الصغيرة من عُمان، وسوَّرتْها بالكثير من الحرَّاس الطامحين للفلاتِ // الراغبين في أن يكونوا من الأولين، وهم في حقيقتهم من الآخرين. وكلُّ ذلك يحدثُ أمام أعينكم يا عمانيون، وأنتم كعادتكم إمَّا صامتون رغباً أو رهباً .. فما منكم إلا ولديه ما يخسرُه، وهؤلاء الذين ليس لديهم شيء ليخسروه. وهذا الشرخُ الذي بدأت معالمَه تتضحُ رويدا رويداً ليس وليد اليوم واللحظة، فهو جاء بإجماعٍ منكم وبموافقةٍ تامَّةٍ على حدوثِه فأنتم، هؤلاء الذين نعَّمتهم الحياة قليلا قد لا تعنيكم كثيراً سياسات التربية والتعليم، أو سياسات وزارة الصحَّة أو سياسات التعليم العالي ما دمتم، ولا أقصدُ الآن الوزراء بل أقصدكم أيا الفريق التكتونيِّ العُماني شبه العادي، أولاد عمِّنا وأقاربِنا وبعضكم ربما أقرب من حبل الوريد إلينا، تشاهدون ما يحدثُ لأنَّكم أيقنتم أنَّكم من الأولين، الذين هم في المدارس الخاصَّة يدرسون، وفي العيادات القادمة من الغرب يعالجون، والذين هم في أوروبا يدرسون، والذين هم العقارات يملكون، فلا حرجَ ولا غضاضةً أن تملكوا عمارةً أو أن تطردوا عائلةً لأنَّ أحداً آخر من الأولين قررَ أن يجلبَ هنديَّا ليدير ماليةَ الشركة التي يعملُ بها الآخرون لكي يبقى هو من الأولين. هذا التقسيم الذي اليوم يصبح أكثر وضوحاً هو ما ارتضيتموه على أنفسكم أن يكونَ، وأن يصبحَ الغالبَ على واقعكم الذي تدَّعون فهمَه، وما منكم إلا ويقولُ أمام رهطٍ من زملائه أنَّ [الواقعَ] يستدعي ذلكَ، ولعلك لا تنتبه إلى الواقع على الرأس من صاملةٍ تصملك أنت ومن معكَ دونَ أن تحسَّ وأنت ترغي وتزبدُ عن الواقعِ أنَّك اخترتَ ــ ببساطةٍ بالغة ــ اخترتَ أن تكون من [المحاولين أن يكونوا من الأولين]، الراغبين في الفلاتِ أو الفالتين سلفاً والمسألةُ أعمقُ من كونِها خيارٌ يوميٌّ اقتصاديٌّ يتحولُ فيه المدرِّسُ [الذي تغنَّى الإعلامُ بقداسة مهنته] إلى سمسارِ أراضٍ في الوقتِ الذي سعى قليلون منهم إلى سدِّ رمقِ عائلة مليئة بالأطفال بالمزيد من ساعاتِ العَمل [الخاص] الممنوعُ دولياً في أعراف التربية والتعليم. نعم أيها المدرِّس وأيها الضابط في الشرطة، وأيها الطبيب أو ربَّة المنزل أو الموظف الحكوميِّ إنَّك اخترتَ ببساطة أن تلقي بمن هم في أغلبِ الوصف [مثلك] وراء ظهرك لتركب الموجةَ التي قد [تصيب] كما قد [تخيب] أو [تدوِشك] بأحلامٍ ترهقك. أرجوك يا صديقي العُماني، لا تعتقدُ أنني أزدريك أو أجرِّمك، فأنتَ في حالك وحياتِك أيضا لا تملكَ الخيارَ، لا تملك إلا أن تفعلَ أو أن تحاولَ. إمَّا أن ترضى نظرياً بالعدالة الاجتماعية العُمانية كما أقرَّها المُجتمع المُحافظ [كما يقولون في الإعلام] أو أن ترضى بأن تكون من ضمن المتقاتلين، المتدافعين [ ..كما يقول واحد من الشباب] على لقمةِ العيش، ولقمةِ العيش هذه ليست إلا دجاجة تبيض ذهباً كلَّ ليلة ثلاث مرَّات لأنه كفيلة بإخراجك من ثلة الآخرين لتكونَ من الأولِّين ومن ثمَّ تُمارسُ ربَّما وصايتك الاجتماعية على هؤلاء وكأنَّك أنت لستَ أحد الأسباب التي أدَّت إلى كونهم كذلك. الآن تقرأ عن المنازلِ المحصَّنة، وكلابِ الحراسة والخزائن المصفَّحة غير القابلة للكسر أو التفجير، وتسمعُ عن الذين يحرسونَ البنوك بالمسدسات حتى لا يقوم مراهقٌ طائش باقتحامِه [كما يفعلون في الأفلام] بل وربما أنتَ يا صديقي توقنُ أنَّك محميٌ ربما، لأنَّك من مقدِّمة الأولين وتستطيع تأمين حرِّاس يسكنون معكَ وكلاب تحرسك من بطشِ المعوزين، أو من لصوصٍ يريدون أن يكونوا مثلكَ ببساطة بسرقة بعض ما عندك، أو أنتَ يا صديقي الآخر لأنَّك أمنتَ من بطش هؤلاء لأنَّ السلطةَ تراهم يتخلٌّقون وتزيدُ هي من عدَّتِها وعتادِها لكي تحميك وتحمي من هم أمثالَك من الآمنين [الذي يستحقُّون ذلك ولا ريبَ] ... أفهمتم الآن ما أريدُ قولَه يا أصدقائي القراء، العُمانيين وغير العُمانيين .. الهنود وغير الهنود .. الأوفياء الأتقياء الشرفاء الضعفاء .. إنَّ شروطَ العيش في عُمان باتت شبه واضحة، فاللعبة الآن لم تعد كما كان يلعبُها الآباء في الستينات، إذ سافرَ بعضهم لبيع الغاز في البحرين، أو غرقَ بعضهم الآخر في تشذيب نخلاتِه التي تقيه من الجوع، وليست كما اعتقد آباء الثمانينيات أنَّّهم سينجحونَ فيها بسلاحِ العلم [كما يقولون في الإعلام]. إنَّها وفي ليلةٍ وضحاها أصبحت مِنحاً من السماء وفيللاً في الموجِ وقصوراً على الشارعِ العام نتاجَ أرض واحدةٍ ورقم سيَّارة ورقم هاتفٍ أو صفقة سمسرة بين وزيرين أصبحا الآن في عتاد المتقاعدين. هذه الضرباتُ الموجعةُ التي أصبحتَ أنت وآلاف غيرُك من الصغار والكبار تتناقلونها بمزيج من التلمَّض والازدراء. لا تغضب وتقول لي: أيها الحقير، أتصفنا الآن أننا سماسرة وماديّون .. يا صديقي لا تكن سطحياً وتأخذ الكلام على ظاهره، غص معي وتأمل حولَك ما يحدث وقل لي، أترى منهم ذا مبدأ وموقف إلا قليلا؟؟ أم ترى فيهم زهد الحكماء والعلماء؟ فاللعبة يا سيدي ويا صديقي ويا عزيزي لم تعد ــ في هذه السنوات الأخيرة ــ لعبةَ معروف، إنها لعبة مجاهيل ومُعطيات عشوائية هبطت فجأة على هذا المُجتمع الآمن لتجعلَ منه [كما جعلت من غيرِه] محطَّة من محطَّات الفوضى والصخب. فإن كنتَ لا تزالُ في طورِ [الحساسية] من هذه الصفات، فاسأل نفسكَ يا صديقي .. إلى أينَ تريد الذهاب؟ ومع من؟؟؟؟؟؟ وفكِّر طويلاً قبل أن تجيبني ... فأنا وحتى هذه اللحظة لم أستطع النوم، أتعرفُ لماذا؟؟ لأنني أفكِّر فيك .. لا تستغرب يا صديقي، أفكِّر فيك وأكتب السطور الطوال لأستفزَّك معي .. فربما كنت دكتوراً في علم الاجتماع [ولعلَّك لم تحصل على شهادتك بالانتساب لتعمل في الشؤون المالية] أو لعلَّك مفكِّر يرى عُمان إلى أين تذهب .. عُمان المُجتمع أو تلك [الثروة] الباقية من روحِنا المتفرِّدة عن البقيَّة، تلكَ الروح العُمانية التي يميِّزها الآلاف والمئات من البشر. تلك الثروة التي [قدْ] يذهبُ بها بطشُ المال أو فقر الحال أو ببساطة غلاء الحديد أو غلاء المهور أو نقص الوظائف لأنَّك ولأنني ولأنهم ولأننا قررتَ/ قررتُ/ قرروا أن يكونوا من الأولين، وأمَّا الآخرون فهي عاصفة تكبرُ في صمتٍ وبداخِلها ثقبٌ تاريخيٌّ أسود، حتى هذه اللحظة يمكن ــ يمكن وصدقوني يمكن ـ التخلَّص منه بقليلٍ من الحكمة، وكثير من التضحية.

&&&

إيه يا صديقي العُماني .. حرمتَني من النوم لأنَّك ببساطة تنامُ عميقاً في هذه اللحظة. لأنك نمتَ ليلة الجَمعة لأنَّ غدا سبت دوامٍ، أو ربما عطلة صيف. قف قليلاً، وتأمَّل ما يحدثُ حولَك وفكَّر بعض الشيء في هذه البلاد، وقل معي: أين تسير بنا هذه القافلة المترعة بالمفاجآت؟ وراقب من هم حولَك .. وربما .. أقولُ ربما .. بعدَ كلِّ هذا الصداع تستطيع أن تنقذَ نفسَك ومن معكَ من هذا الزحام الذي خلقتْه هذه الفوضى المؤقتة، وتبقى أنتَ كما أنتَ ــ عُمانياً كما ولدتَ ..... فحافظ على نفسِك يا صديقي العُماني ... حافظ عليها فربما هي الأمرُ الوحيد الذي سيبقى لك بعدَ انقضاء هذه العاصفة ...


عُمانيٌّ مثلك لم ينم بسببك


الخميس، 16 يوليو 2009

صديقي في ذمة الله

صديقي في ذمة الله


وعند باب قريتي يجلس عمي «مصطفى»
وهو يحب المصطفى
وهو يقضي ساعة بين الأصيل والمساء
وحوله الرجال واجمون
يحكي لهم حكاية ... تجربة الحياة
حكاية تثير في النفوس لوعة العدم
تجعل الرجال ينشجون
ويطرقون
يحدقون في السكون
في لجَّة الرعب العميق، والفراغ، والسكون
«ما غاية الإنسان من أتعابه، ما غاية الحياة»؟
يا أيها الإله!
ص. عبدالصبور

حمد البوسعيدي، كان صديقي. إلاَّ أنه لم يعد كذلك الآن. إنه ينتمي لعالم آخر غير هذا العالم. لقد أخذه الموت منا وهو في ريعان الشباب. لقد مات حمد البوسعيدي ليس كما يموتُ قادة الدول متخمين. مات مريضًا بعد أن حمل مرضه على صدره، وفي خلايا جسمه التي كانت تفارق الحياة تباعاً. مات حمد بالسرطان. يا إلهي.. ماذا حصل في هذا العالم؟

إنه فقط كان شاباً صالحاً، كان طيباً. لم يخلق مشكلة مع أحد. كان مريضًا طيلة سنين طويلة، ولم يستطيع أن يعش كما ينبغي. بل ولم يمت كما ينبغي، بسلام وراحة. مات ببطء شديد وكأنه في عذاب مستمر. هل شاهدتم مرضى السرطان وهم يتلقون العلاج الكيماوي؟ ربما لم تشاهدوا تلك السوائل وهي تدخل الجسم عبر الأنابيب، ويرتعشُ المريض رويداً رويداً، ثم يهتزُ السرير من تحته لاهتزازه كأنكَ ترى جلسة زار أو جان. ثم يهدأ ثم ترتفعُ الحرارة ويبدأ الهذيان، ثم يعودُ الكيماوي من جديد، وتستمرُ الدائرة. وتشعرُ أنكَ أضعفُ من ورقة خريفية داهمتها نسمة ضعيفة فأسقطتها تحت الأقدام. كان حمد مريض سرطان، أي أنه لم يعش حياته كما ينبغي لشاب في العشرين من عمره.

كيف قبض روحه ملك الموت هكذا دونما رحمة. كيف تقصَّده، وترك من حوله. لماذا يموتُ الطيِّبون ويبقى غيرهم في هذا العالم؟ كيف يحدثُ هذا العذابُ المستمر والموت العشوائي في هذا العالم دونما رحمة وعدالة؟ بل لمَ أتى إلى الحياة وأجله قصير فيها، ألرحلة العذاب والشقاء؟ أكي يرى أعضاءه تذوي أمامه، ويعيش سنيناً مستمرة على أقراص الدواء؟ هل زرتمُ مريضًا بمستشفى يوشكُ أن يموت في يوم عيد؟!

رحمه الله.. آمين..
آمين..
رحمك الله يا حمد


الاثنين، 13 يوليو 2009

بلدي.. بين الأدلجة والنفاق

بلدي.. بين الأدلجة والنفاق


أيا وطني: جعلوكَ مسلْسلَ رُعْبٍ
نتابع أحداثهُ في المساءْ.
فكيفَ نراكَ إذا قطعوا الكهْرُباءْ؟؟


يوم الخميس الماضي 09\07 حدثَ حفل بيوم النهضة العُماني. هل تصدقون؟ لم يحدث ذلك في مسقط، ولا في عُمان، بل في مدينة برزبن الأسترالية. استباق مبكر جداً لموسم الاحتفالات والتبريكات والتهاني. كان احتفال بيوم النهضة العماني، وقد احتفل به شباب عمانيون. لم يكونوا رسميين مطلقاً. والمشكلة تكمنُ هنا!

أخبرنيُ أحد الأصدقاء أن مجموعة طلابية من إحدى الجامعات العُمانية تزور جامعتنا مؤقتاً لغرض دراسة اللغة الإنجليزية، وأخبرني صاحبي كذلك أن هؤلاء الطلبة ينوون الاحتفال بيوم النهضة العُمانية، وأنهم يريدون المساعدة. فقُلنا حباً وكرامة.

المُساعدة التي قدمتُها للمُحتفلين كانت بسيطة جداً، ولا تذكر. إلاَّ أنها تركزت أساساً في أخذ الصور وبعض مقاطع الفيديو، وكتابة تغطية صحفية للجرائد العُمانية. حضرتُ الحفل، وأحضرتُ معي بقية الأصدقاء. ولا بأس من القول أن الشباب المحتفلين بذلوا جهدهم، وحسب اجتهادهم ليحتفلوا بيوم النهضة، وليُعرِِّّفوا بعُمان. وقد حدثتْ الأمور تلقائياً ما إن بدأت..

كان الحضورُ كثيفاً، وتضمن الأساتذة العاملين بمعهد اللغة، وحضرت كذلك إدارة المعهد. كان هناك طلاب المعهد أيضًا، وهم ينتمون لجميع ثقافات وجنسيات العالم. وبدءَ الحفلُ بتقديم عن سلطنة عُمان على لسان فتاة عمانية. قصدتَ تلك الفتاة الحديث عن عمان، لكنها تحدثتْ وبشكل لافت للنظر عن السلطان حاكم عُمان. كان الحديث مُبجِّلاً لسُلطان عمان بطريقة مشابهة لما يعرضه التلفاز العماني. فقيل عن حكمه أن عمان قبل ذلك كانت تعيشُ أياماً مظلمة، وغير حضارية. وأن السلطان قد أدخل خدمات التعليم والصحة لعمان، وأنه المسؤول عن رقي المرأة العمانية التي -ولحسن الصدفة- تُقدم ذلك الحفل. أعقب ذلك عرض بصري احتوى أغانٍ وطنية، ومقاطع وأحاديث لجلالة السلطان باللغة العربية. ظهرَ السُلطان قابوس هناك بأوضاع شتى، وبمراحل عمرية مختلفة. وظهرَ أيضًا بالصورة العسكرية وهو يُطلق النار في الميدان العسكري.

الانعكاس:

كنتُ أقعدُ في الصف الثاني، وأرى ذلك. ثم حاولتُ رؤية انطباع كل ذلك على الحضور، وقد صدق تخميني لاحقاً. لقد تحدَّث أولئك الشباب المتحمسون بما يؤمنون به، تحدثوا عن إيمانهم تماماً كما جاء في الإعلام العُماني الذي رأيتُ ذلك اليوم مدى نجاح أدلجته لشباب جامعي، ويُفترضُ وعيه التام. لا بأس أن يُخاطب الإعلام العماني العُمانيين بذلك الخطاب العتيق، لكن ذلك الخطاب -دون أدنى شك- ليس للتصدير. إنه فقط ليُقال للعمانيين أنكم تملكون الجنة، كما لا يملكُها غيركم. أن تقف وتتحدثَ عن إنجازات سلطانك بطريقة كاريكتورية أمام عقول غير عربية سيثيرُ ردة فعل عكسية في عقول الآخرين.

سمعتُ بعض التعليقات خارج القاعة، أن العمانيين يعظمون سلطانهم. وهذا التعظيم لا يعني الاحترام مع التقدير، بل يشير إلى الاقتراب من درجة العبادة في زمن غير توحيدي بتاتاً. وفي مقابل رسالة الإعلام العُماني، فإن الإعلام الأسترالي يستضيف رئيس الوزراء الأسترالي في البرامج الكوميدية، ليداعبه بسخرية دائماً. أمَّا ملكة أستراليا، وهي ملكة بريطانيا، إليزابيث الثانية فإن السينما البريطانية قبل الأسترالية تداعبها وتتحرشُ بها. المثير للاهتمام هنا أن تقديس الحُكام لا يدلُ عالمياً على الاحترام، بل على ديكتاتورية الحاكم وخوف المحكوم من عدم التقديس له.

أشرتُ مسبقاً في هذه المدونة عن النفاق الذي يبديه الإعلام العُماني، والمثقفين العمانيين كذلك (إن سلمنا بالصفة والموصوف) خلال الأيام الوطنية. وذيلتُ إشارتي تلكَ باعتقادي أن أغلبهم يفعلُ ذلك نفاقاً لا أكثر. لكن الحفل ومشاهداته أضاف لي طلبة جامعيين يمارسون التقديس دون نفاق (لعدم ارتباطهم بالجدوى الاقتصادية والاجتماعية). لذلك بتُ أعتقدُ أن الإعلام العماني الذي قاده طويلاً عبدالعزيز الروّاس ولاحقاً محمد الراشدي نجح في أدلجة العقل العُماني. ولربما كان هذا هو الإنجاز الوحيد لهكذا إعلام..








الأحد، 12 يوليو 2009

حول التدوين في عمان

حول التدوين في عمان


استطلاع : سـارة الهوتية - جريدة عُمان

رغم أن التدوين في السلطنة جاء متأخرا.. إلا أنه نجح في فتح صفحة للتعبير بعيدة عن القيود الرسمية والقوانين المقيدة ناقلا صوت الشعب للشعب بعيدا عن الألقاب.. .. معبرا عن الشارع العماني .. متحدثا عن ألمه بصدق .. يعدُّ بإعلام جديد يعيد ترتيب أرشفة الأحداث والشخصيات ..

أدون لأتنفس ..

تقول صفاء الدغيشي التي دخلت عالم التدوين في يناير 2007 أنها تدون (لتتنفس)، واختارت صفاء المدونة دون سواها لنشر كتاباتها بسبب إمكانية البقاء فيها خارج القيود التي يفرضها الغير دون سبب واضح ولأنها تقول فيها كل ما تريد. وتضيف: ( يمكنني بها أن أحور عيني اللونية والشكلية كيفما شئت .. باختصار .. هي ساحة وطن لشخص واحد هو أناي ).
وتعتبر صفاء مدونتها عامة وذلك لأنها تكتب فيها كل شيء يتناوله شعورها في حياتها وحياة الآخرين وكل ما يرتبط بالوقت الذي يؤثر عليها وربما كل ما يمكن أن نتركه كذاكرة أو نسيان أو فكرة تحمل رسالة للآخرين.
وترى صفاء أن التدوين « فردوس .. لا ندري لمَ تجملها شياطينها؟ .. لذا من يجد شيطانه يكتب ،ومن لا يحشوه شيطان فليعتزل النص.

جمعية للمدونين العمانيين

يعقوب الحارثي بدأ التدوين منذ يناير من العام الجاري يقول أنه يدون كي يستفز النقاد والمتخصصين ومن أجل لفت نظرهم إلى مسألة ما تحتاج رعايتهم أو ملاحظتهم.
ورغم أن مدونته عامة إلا أنه كان يريد أن يجعلها متخصصة في الكتابات القانونية ،ولكنه يرى أنه ليس من العدل أن يكتب عن القانون مقالا بسيطا أو تدوينة لا تتعدى عشرين سطرا لأن الآراء القانونية سواء أكانت واقفة على سد المثالب أو إضافة فقهية لا بد أن تكون في أطر أكاديمية محضة إذا كان الهدف منها الإثراء لذلك فإنه يكتب في مجالات مختلفة كالقانون والسياسة وجميعها تدور في فلك عماني صرف .
ويضيف يعقوب قائلا: فكرت دائما في جمعية للمدونين العمانيين إلا أنه عندما أرى واقع الجمعيات في السلطنة أصاب بخيبة أمل نظرا لما تعانيه من قصور ويتسـاءل:ظهل القصور من هذه الجمعيات أم من قوى أخرى تحاول إضعافها؟.
« نحتاج لبعض الوقت «

يعتبر حمد الغيثي واحدا من الذين دخلوا عالم التدوين في بداياته فقد بدأ في عام 2005 وذلك باستخدام خدمات شركة مايكروسوفت ثم انتقل في عام 2007 إلى خدمة التدوين التي توفرها شركة جوجل. ويرى الغيثي مدونته عامة فهو يكتب كتابات عامة تمزج بين الموسيقى، والكتابات الثقافية، والمشاهدات اليومية، وأخبار السلطنة .
ويقول حمد أنه اختار المدونة لأنها أحد خيارات العولمة التي تطرق أبواب الناس في كل أصقاع العالم. كذلك لا رقيبا مباشرا إلاَّ قناعات المدون وأخلاقه.
ويرى حمد الغيثي أن سؤاله عن سبب التدوين صعب فيجيب : إنه سؤال صعب بامتياز، لكن لنقل كي أساهم في تشظية الحقيقة وعدم الخطاب من قبل جهة وحيدة. ويقول الغيثي: إن المدونين يمتلكون أفكاراً ووجهات نظر، وقناعات في الحياة تستحقُ الكتابة قبل عبور قطار العُمر.
ويقول الغيثي: إن حركة التدوين لا تزال في طور الطفولة ،وإن التدوين أصبح موضة يركبها الجميع ،ويرى إن التدوين في عمان يحتاج لبعض الوقت حتى تتحدد الرؤى والأفكار والتوجهات ،عندها سنرى التدوين يقدم نفسه ليس فقط كلاعب إعلامي وثقافي مهم، بل أيضًا كصانع للأحداث ومؤثر في الرأي العام. وضرب مثالا على ذلك السعودية ومصر ويقول الغيثي : نحتاج بعضَ الوقتِ فقط .

الواقع الإعلامي الجديد ..

يرى عمار المعمري: ان القيود المفروضة في المنتديات العمانية التي كان يشارك فيها ودور تلك القيود في تقليص مساحات حرية التعبير سببا في انتقاله إلى عالم التدوين فيقول: يمكنني القول أن أول نشاط تدويني لي كان منذ سنتين تقريبا. إضافة إلى توفير المدونة مساحات الحرية لصاحبها وغالبا ما تكون بالمجان لذلك يصبح المدون كاتبا ومراقبا ومالكا للموقع في الوقت ذاته.
ويقول عمار: إن مدونته عامة رغم انه يتجه في الفترة الأخيرة إلى مناقشة الأمور القانونية وذلك بسبب طبيعة دراسته الجامعية لهذا التخصص ،ومع هذا فالمعمري ما زال يكتب تدويناته ذات الطابع العام لأن المدونة في النهاية شخصية يمكن تغيير المنشور فيها بأي وقت، ويضيف عمار: إنه يكتب الكثير ولكن ما يهمه بشكل أساسي المضمون والفكرة الرئيسة.
ويعتبر المعمري تدوينه ممارسة لحرية التعبير التي كفلها النظام الأساسي للدولة لكل مواطن عماني ويضيف عمار: إنه يمارس تلك الحرية في مدونته دون أن ينتظر من أحد منحه مساحة الحرية رغم إدراكه الكامل بالمخاطر المجهولة من جراء ما يفعله فيقول: لكني في النهاية مؤمن بأن الحقوق تؤخذ ولا تمنح .
وقال المعمري: إن حركة التدوين في السلطنة في نشاط متزايد مع أن حركة التدوين في عمان تعتبر في بداياتها مقارنة بالتدوين في السعودية والكويت ومع ذلك فهي تتطور إيجابيا على نحو متسارع. وهي حركة تدوينية مشغولة بالهم الداخلي وهذا ما يراه قريبا جدا من حركة التدوين في مصر. ويرى عمار المعمري:إن المدونات ستوجد واقعا إعلاميا داخليا محليا جديدا ورغم ذلك يقول : لست من المتفائلين جداً حيال قبول ذلك الصوت العالي .
ورغم ذلك فالمعمري: يرى أن المدونات في السلطنة استطاعت أن توجد واقعا إعلاميا بديلا عن القوالب الإعلامية المفروضة ،فالمدونات فتحت المجال أمام المدونين للتعبير عن رفضها بعض الظروف المحيطة في المجتمع ويقول: أرى أن التدوين أمر يستحق المحاولة في ظل التطور السريع الذي يعيشه العالم دون المساس بالثوابت الحقيقية الإنسانية .

التدوين
لا يعني التشهير

بدأ حاتم سالم التدوين من خلال مدونة شخصية ليست متاحة للعرض وذلك بسبب خصوصية مواد المدونة حيث كان يكتب عن مواقف ذاتية يومية، وتفاصيل في غاية الخصوصية لا تصلح للعرض على العامة بالإضافة إلى عدد من النصوص المكتوبة، والصور ،ومقاطع الفيديو. ثم تحول بعدها حاتم إلى مدونة جديدة عامة قبل أقل من عام والسبب وراء ذلك كما يقول: تحول مسار التدوين من الخصوصية إلى شيء يلامس واقع الحياة اليومية للإنسان، ويمكن القول إن التحول في رسالة التدوين هو أكبر عامل دفعني للكتابة علنا بعد التجربة الأولى.
ويقول:إنه اختار المدونة الشخصية دون سواها لنشر ما يكتبه وذلك لتحررها من الرقابة والقيود ،وعدم تأخر النشر، والمرونة الكافية في النشر باستخدام مواد تفاعلية كالفيديو والاستطلاعات وهو أمر لا يمكن الحصول عليه في النمط الاعتيادي للنشر في الصحف مثلا.
ويعتبر حاتم التدوين متنفسا ومساحة للبوح بأمور كثيرة على المستوى الشخصي ،ويشعر بأنه حين يدون يقدم الكثير للفئات المهمشة والمظلومة في المجتمع خاصة وان كتاباته اجتماعية في الغالب ،ويضيف حاتم: يمكن ان اعتبر التدوين أثيرا إذاعيا يؤدي رسالته للمجتمع والدولة والعالم، أو وجهة يقصدها المدون لإبداء وجهة نظره في موضوع معين.
ويرى حاتم سالم إن حركة التدوين العماني ناشئة مقارنتها بالآخرين إلا أنها في الوقت ذاته قوية وتمتاز بجراءة الطرح والميل إلى الاهتمام بالوضع السياسي والمعيشي والاجتماعي في السلطنة، وهناك مدونات عمانية ذات اتجاه أدبي وفكري معين وبعضها شخصية ومتنوعة المحتوى. ويؤكد أن التدوين العماني قادم بقوة وهو في طور النضوج وبالرغم من محدودية الكم إلا أن التدوين يجد صداه في الشارع العماني وهذا يدل على قوة حركة التدوين .
وختم حاتم حديثه عن المدونات وهو يقول : التدوين مساحة خاصة لكن هذا لا يعني بأي حال الاندفاع وراء الطرح اللامسؤول أو استغلال الوضع للتشهير أو تصفية الحسابات مع الآخرين. ويؤكد إن التدوين يحمل رسالة سامية يجب أن لا تنسى وإن المدونات يجب أن تستخدم لحل الإشكالات لا لإثارة الرأي العام في المجتمع ويؤكد على وجوب الارتقاء بالتدوين وعرض الحقائق بأسلوب علمي تفرضه طريقة التقصي عن المعلومة.

المدونة تحرر من قيود المنتديات ..

تقول أفراح الجشمية: إن دخولها عالم التدوين جاء لرغبتها في الحصول على آراء الآخرين في ما تكتبه ولعرض أفكارها. وقد اختارت المدونة للنشر وذلك لأن المدونات الشخصية أقرب للهدوء وأفضل وسيلة للتعبير الحرّ دون الخضوع لقيود الآخرين.
وقالت أفراح إن حركة التدوين في السلطنة بدأت في النمو بشكل كبير باختلاف مجالاتها وثقافة أصحابها وتضيف أفراح: إن المدونات ليست بنفس المستوى فبعضها مقبول ومنها الردئ ومنها الذي يلقى قبولا كبيرا.وتتمنى أفراح أن تصبح حركة التدوين أكثر تقديرا من قبل العامة في المجتمع وأن تعتبر أكثر من مجرد نشر الكتروني .

التدوين .. ليس كتابة صحفية أو أدبية ..
معاوية الرواحي لا يعرف حتى الآن إن كان دخل عالم التدوين مثل ما هو متعارف عليه عالميا حتى الآن أو لا فيقول: لدي نافذة تقنية مُقدّمة من شركة جوجل العالمية أمارسُ فيها ما أشاو ه من أشكال الكتابة محاولا تخليص نفسي من تراكمات وثوابت الكتابة العُمانية التي يراها الرواحي إنها أصبحت جامدة بعض الشيء .
ورغم أن معاوية الرواحي لا يكاد يعرف سببا لدخوله عالم التدوين إلا أنه يقول: أدون لأني لا استطيع التوقف عن الكتابة فهي الأمر الوحيد الذي يعيد لي الرغبة في الحياة ولا يقصد معاوية مثلما يقول الكتابة الوجودية التي يحاول المثقفون منحها القيمة الغامضة بل الكتابة البسيطة التي تركب فيها الجمل والمفردات بشكل بسيط يصف الأفكار متناولا الحاضر والواقع المحيط
ويضيف معاوية إن معظم ما يكتبه يتناول قضايا المجتمع العماني من منظوره الشخصي بأسلوب ساخر يتخيل فيه نفسه بأنه صحفي في جريدة خيالية وبذلك يخترع شخوصا وأحداثا وأمور كثيرة ليست حقيقية بالضرورة ،ولهذا السبب يصرّ على أن يغير المدونة إلى (المهذونة)حتى لا يلزم نفسه بوضع الحقائق التي يصعب ملاحقتها .ويضيف :مع هذا لا يمكنني القول إن مدونتي عامة أو متخصصة لأنها في بعض الأحيان عامة وفي أحيان أخرى متخصصة في مواضيع اجتماعية محددة .
ويضيف الرواحي: إن أشهر المنتديات العمانية إما أن تكون مزدحمة فتضيع فيها الأفكار أو راكدة إضافة إلى رفع المتضررين من كتابات الإنترنت قضايا على بعض كتاب المنتديات لذلك يرى إن المدونات توفر فرصة للفرد الواحد كي يصنع خطابا يوجهه للمجتمع وهو خطاب موجه مباشرة دون رسميات واجبة في الأعراف الإعلامية الخليجية والعربية
ويرى معاوية الرواحي: إن حركة التدوين في السلطنة تتقدم وتفعل وتقدم شيئا جديدا، تكتبُ متخففة من أعباء اللغة ومن ما يفرضه الوسط الثقافي على الكاتب وأنها بعيدة عن الحسابات التي يعرفها المتابعين للوسط العربي ويضيف: أخص بالذكر مدوّن عُماني اسمه عمّار المعمري في رأيي استطاع أن يقدم مدونة مضمونية يحلل من خلالها وينقد ما يمليه عليه عقله وضميره
ولكن يخشى معاوية الرواحي أن يتبع المدونون طريقة الأدب أو الصحافة في الكتابة مما سيؤدي إلى الابتعاد عن التدوين الحقيقي ،ويقول :ان يكتب المرء في الصحف ويعيد نشر مقالاته في مدونة فهذا ليس تدوينا، وأن يبقى المرء في دائرة مغلقة أيضا من الكتابة الصحفية أو الأدبية فهي ليست كتابةً .. ما أتمناه أن أقرأ صوتاً عُمانيا أصيلا يواصل مشوارَه .

جائزة لأفضل المدونات العمانية:

كان دخول بدر الهنائي متأخرا بعض الشيء إلى عالم التدوين فقد أنشا مدونته في ديسمبر من العام الماضي لكنه لم يعرضها للعامة حتى أبريل من العام الحالي بعدما فكر وحدد التوجه الذي رغب في أن تسلكه المدونة لأسباب عدة فيقول: لأضمن أن المدونة تتماشى مع مجال عملي حيث أنني أعمل في التسويق والإعلان، وثانيا لأضمن أن محتوى المدونة بعيد عن أي حساسيات سياسية أو اجتماعية « ويقول الهنائي أنه كان يقضي وقته في رصد حركة التدوين العمانية والتي يعتقد أن معاوية الرواحي مطلقها.
ويعتبر بدر الهنائي مدونته متخصصة لأن غالبية كتاباته تهتم بالتسويق والإعلان لذلك ترتبط بشكل وثيق بمجال عمله ورغم ذلك فإن بدر يجد نفسه أحيانا يكتب قضايا اجتماعية وسياسية من منظوره الشخصي ويضيف الهنائي:إنه يفكر في إضافة أنواع جديدة من الكتابة كتحليل الإعلانات والعلامات التجارية والحملات الإعلانية وكذلك كتابة مقالات عن كيفية النهوض بقطاع الإعلان والاتصال في السلطنة ، ويتمنى الهنائي رؤية مدونات عمانية متخصصة أكثر لأنه يرى:إن مستوى الجودة سيكون أعلى لو أن كل مدون ركز في مجال عمله أو دراسته أو اهتماماته، كما أن كل ذلك يصب في مصلحة القارئ أيضا حيث أنه يستطيع الحصول على ما يريده من معلومات وآراء بسهولة أكثر.
وقال الهنائي:إنه اختار المدونة مكانا لنشر كتاباته لأنه يعتبر المدونة (مملكة للمدون) يستطيع فيها وضع قوانينه مثل ما يريد دون الخضوع لتحكم شخص آخر وبمعنى آخر « بعيدة عن مقص الرقيب ، ويرى الهنائي:إنها تختلف عن وسائل النشر الإلكتروني الأخرى كالمنتديات الإلكترونية حيث أنها لا تتراكم فيها المواضيع أو تتزاحم الردود والتعليقات إضافة إلى ميزات المدونات كقابلية إضافة الصور ومقاطع الفيديو والصوت لتدعيم محتواها، وإمكانية التفاعل مع الزوار عبرالتعليقات.
ويرى بدر أن حركة التدوين في السلطنة قطعت شوطا لا بأس به حتى الآن ، ويسعده تزايد أعداد المدونات العمانية لاسيما المدونات المتخصصة ،ورغم ذلك فهو لا يشجع التطرق إلى مواضيع يرى أن المدونين في غنى عنها ويؤكد الهنائي على ضرورة مراعاة القيم الاجتماعية عند الكتابة لأن هناك فئة الصغار وبالتالي قد يتأثرون بمحتوى المدونة ويضيف: أظن أن على كل مدون أن يضع نفسه محل كل شخص من الممكن أن يمر على محتوى المدونة، ويرى ما إذا كان المحتوى قابلا لأن يطلع عليه جميع أفراد المجتمع ويختم حديثه قائلا: عموما فإن حركة التدوين تبشر بالخير. و يفكر الهنائي في تأسيس جائزة لأفضل المدونات العمانية وذلك لنشر ثقافة التدوين في السلطنة ويعتقد إن الجائزة ستزيد من مستوى المنافسة بين المدونين في جودة المحتوى ووفرته. ويضيف:قد يصاحب تلك الجائزة ملتقى يناقش جوانب متعددة في التدوين وقد يستضيف خبراء وأكاديميين ومجربين في نفس المجال، ويرى أنه من الواجب لفت النظر إلى التغييرات الحاصلة على مستوى وسائل الإعلام وما يعرف بالإعلام الجديد .

الاثنين، 6 يوليو 2009

وسِّد الآن رأسكَ

وسِّد الآن رأسكََ



الحياة مكان بديع للسخرية من كل شيء فيها. وربما أدهشتني يوماً عبارةُ الساخرِ: "وفي الأرضِ من يسخرُ منها"..

الجمعة، 26 يونيو 2009

موت مايكل جاكسون

موت مايكل جاكسون


إن القلبَ ليحزنَ

وكما يحدث القدر -عادة- دون توقع أو سابق إنذار فقد حدثَ اليوم. اليوم تذيع البي بي سي خبر موت أسطورة البوب العالمية مايكل جاكسون بسبب أزمة قلبية. جاكسون كان يستعدُ لحفلات عديدة -بيعت أغلب تذاكرها مسبقاً- في أوروبا، لكن الموتَ سابقه فمات كما يموتُ خلق الله الآخرين.

مايكل جاكسون الأسطورة، الذي اكتسحتْ موسيقاه الحدود واللغات والثقافات قبل عصر العولمة بعشرين سنة يحملُ أعلى مبيعات على مستوى العالم لألبومه Thriller. ولجاكسون صوت فريد جداً، ربما لم يتكرر، وكان راقص رائع واستثنائي طوّر العديد من الرقصات مثل Moon Walk و Roboot.

خبرُ موته محزن جداً للناس حول العالم، ربما لأنه فقط ساهم بإسعادهم فيما مضى بموسيقاه الجميلة، التي كتبَ هو أغلب كلماتها. وكما فعل أحدهم يوماً، فإنَّ أفضل طريقة للعزاء فيه هو سماعُ موسيقاه.

رحمه الله.


الثلاثاء، 23 يونيو 2009

عشقاً أو حبـاً أو شهادةً

عشقاً أو حبـاً أو شهادةً


قال نزارُ قباني يوماً:
الحبُ ليسَ روايةً شرقيةً ... بختامها يتزوجُ الأبطالُ
وقالَ أيضًا: "اللهُ مات.. وعادتِ الأنصابُ"

قصيدة لنزار يغنيها الساهر قد تذكرُ الإنسان بأشياء كثيرة منها نزار قباني نفسه، والجدل حوله، والتعصب لهُ. مات قباني في 30\04\1998، وبموتهِ "انتحرتْ شهرزاد". أتذكرُ الكثير عن نزار قباني من شعره، إلى منتقديه، إلى حياته. مما وُصم نزار به أن لغته الشعرية السهلة أفقدت الشعر العربي طعمه، و"عمقه"، وجعلته شعراً غوغائياً "أي مستهلكاً من قبل العامة". وقد كان نزار ذلك حقاً.. أخذَ نزار الشعر العربي من غبار الماضي، وأوزانه الغليظة لينزله للجماهير شعراً ليناً، سهلاً، وممتعاً، وعبقرياً.

كتب نزار للعشق كثيراً، ولربما أقول أن العديد من العشاق اعتنوا بشعر نزار كي يستخدموه في الحياة اليومية، الحياة العشقية. وضمن عملية العشق ينزلقُ الإنسان نحو أشياء كثيرة -ربما لم يدركها مسبقاً- ليفقد توازنه، وطريقة تفكيره. الإنسانُ لا يفكرُ في العشق، فالعشق يمنح صاحبه روحاً شفافة وطاقة غريبة لصنع الغرائب.

زيديني عشقاً زيديني
يا أحلى نوباتِ جنوني

في هذه الأيام التي يُقبلُ فيها الشباب على نزار أو أغانيه، يتغيرُ مفهوم الحب والعشق إلى أشياء أخرى. يستخدمُ الإنسان هذه الكلمات في خارج سياقها للتبرير، لترسيخ ثقافة الاختباء خلف حواجز عديدة بكلمات إنسانية. لو صدق الإنسان نفسه -قبل الآخر- بطبيعة مشاعره لحافظ الإنسانُ على ضميرهِ، وربما على بعضِ القيم...

أودُ قول الكثير هُنا، لكن وكما يقولونَ: "عندما تتسعُ الرؤيةُ، تضيقُ العبارة"!.