الاثنين، 30 أغسطس 2010

عرض لكتاب سفر المنظومات



صدر كتاب "سَفَر المنظومات"عن دار الانتشار العربي للكاتب العماني عبدالله المعمري عام 2009. يقع الكتاب في 122 صفحة من القطع الكبير، ويحتوي على دراسة تحليلية تاريخية لمنظومة الجوهر والعرض عند الشيخ أبي بكر أحمد بن عبدالله الكندي المتوفى 557 هـ.



مفهوم الجوهر والعرض هو تصور ديني لدى عدد كبير من علماء المسلمين يقتضي أن العالم مركب من أجزاء لا تتجزأ (الجوهر الفرد) ومن أعراض تدخل عليها، ثم تتفرق بعد ذلك رؤاهم وتصوراتهم بحسب ملابسات ومقايسات مختلفة ص 82. تعطي "منظومة" الجوهر والعرض تفسيرات مبنية على أسس منطقية للوجود وظواهره ومتغيراته. وقد وجد "الجوهر والعرض" كتصور فلسفي بأشكال شتى في الحضارات قبل إسلامية مثل: الإغريق، والهنود.

ولعل قاريء الكتاب يلاحظ ثلاثة مستويات (أو أعمال) أنجزها المعمري في "سَفَر المنظومات"، وهي:

1. مستوى اللغة النثرية العالي والدقيق الذي ظل المعمري محافظاً عليه رغم طبيعة الموضوع الذي يناقشه الكتاب. يقول مثلاً (ص 12): "إن ساحة المعركة عارية إلا من خصمين: الكندي ومنازعه، ليس المنازع في حقيقة الأمر ضمن أفق الكندي التحليلي أكثر من سؤال، قطعة فيروسية تحاول وضع جسده المعرفي في حالة نزيف وبالتالي تفكك وانهيار".

2. مستوى استخدام الرياضيات لتوضيح البنى والعلاقات المنطقية لمنظومة الجوهر والعرض في كتاب الجوهر المقتصر للكندي. يستشف ذلك في الفصول الأربعة الأولى من الكتاب حيث تظهر الدوال الرياضية، والأشكال الهندسية، ورسم المنظومات المفهومية.

3. مستوى تتبع شجرة النسب التاريخية لمنظومة الجوهر والعرض منذ أبي بكر الكندي حتى أصولها عند الإغريق، والهنود.

يبدأ الكتاب بتحليل الاستراتيجية المنطقية التي يسلكها الكندي إزاء خصومه (الأسئلة). يبدأ الكندي بوضع تعريفات للمصطلحات المناقشة كي يحدد الأسس المرجعية للنقاش ويحدد اللفظ بشكل لا لبس فيه. ولعل أبرز مثال هو كلمة "الجوهر" الذي وضعه الكندي:الجزء الواحد الذي لا يتجزأ. دقة التعريف تقصي ألاعيب اللغة ولدونتها، وما تجره من اختلاف في معاني المصطلحات، ما يقود إلى عدم إمكانية التفاهم وتبديد أي أثر إيجابي لحوار منطقي.

الخطوة الثانية في استراتيجية الكندي هي صنع جهاز ترشيح لأسئلة الخصم (بغرض إخضاعه لمنطق الكندي). يحدد جهاز الترشيح صحة السؤال من عدمه. تستثني المرشحات، أولاً، غير الأسئلة من الأسئلة. وبالخطوة الثانية تستثنى الأسئلة الفاسدة من الأسئلة الصحيحة والمخاتلة. وبالمرحلة الأخيرة تستثني الأسئلة المخاتلة من الصحيحة. يتم ذلك عبر الرجوع إلى تعريفات، وبنىً لغوية، وأسس منطقية وضعها الكندي لمحاوره في قضية الجوهر والعرض كي يتخلص من أسئلة من قبيل "هل يقدر الله أن يخلق مثله؟". قرب المعمري فكرة المرشحات للقاريء عبر رسم مخططات انسيابية Flow Charts. استخدم المعمري أيضًا العلاقات الرياضية (باعتبارها علاقات منطقية) لتوضيح استراتيجية الكندي، وأمثلة من إحدى لغات برمجيات الكمبيوتر، وتحليل منطقي لفحص إمكانية شراء مصباح جديد عوضاً عن آخر تالف.

مستخدماً الأدوات السابقة يطرح المعمري -بعد ذلك- مصطلح المنظومة المفهومية الذي يشير إلى كائنات تربطها علاقات محددة سلفاً، وتتميز بسمات "الاجتماع والترتيب والتمايز عن المحيط" ص26. تتشكل المنظومات المفهومية بفعل خبرة الإنسان الحياتية، ووضعه تصورات تفسيرية للظواهر المشاهدة. إلا "إن إحدى وظائف المناهج العلمية اختبار المنظومة في مواجهة الواقع، والتعديل في بنيتها على ضوء النتائج، وأهم ما يشترط في المنظومة هو سلامتها المنطقية، ولحمة مفاهيمها"، ص 31. يغذي المنظومة المفهومية مدخلات تمر عبر مجموعة من العلاقات، لتنتهي كمخرجات يمكن التنبأ بخاتمتها مسبقاً. يدرس المعمريُ الكنديَ باعتباره مجموعة من المنظومات المفهومية (منظومات الوجود، القدرة، الإنتاج). يورد المعمري أمثلة متعددة للمنظومات من علوم الميكانيكا والرياضيات والنفس لغرض التدليل أن مختلف الظواهر يمكن أن توضع في نظام معين لتستنتج العلاقات المجردة الرابطة للظواهر.

يتكون الوجود عند الكندي من: الله، الجوهر، العرض. وفي حين لا يوجد تعريف لله كونه مسلمة عند المتحاورين، فإن الجوهر له تعريفات شتى منها "الجزء الواحد الذي لا يتجزأ"، وهو محدود منته ص 45. أما العرض: هو كل محدث لا يقوم بنفسه، ومن صفاته التماثل والتضاد. وعلاقة الله (القادر) بالجوهر والعرض (المقدور) تكون من خلال "منظومة القدرة". فالله تعالى بموجبها إما أن يوجد الجوهر والعرض من العدم، أو يعدمهم من الوجود، ص52. لا يربط الله بالعالم علاقة أخرى سوى منظومة القدرة. أما التنوع والتباين والاختلاف الحاصل في العالم فمرده إلى تآلف الجواهر واختلاف الأعراض.

بعد تحليل المعمري لمنظومات الكندي، يقوم المؤلف بتتبع المنظومات عبر الزمن. يكتشف أن تياراً عمانياً تبنى "منظومة الجوهر والعرض" عاش بالقرون 6-3 هجري. وتمتد أصولهم المعرفية إلى مدينة البصرة العراقية. ويكشف تعايش وتلاقح مجموعة مذاهب بالبصرة في تلك الفترة. وأن نظرية الجوهر والعرض ظهرت لأول مرة عند المسلمين على يد أبي هذيل العلاف توفي 235 هـ. ووجد من قال أن الجوهر يتجزأ لانهائياً (النظام)، وأيضاً من رفض منظومة الجوهر والعرض تماماً ص 79. ثم يتتبع تواجد المنظومة في المدارس الفكرية ما قبل الإسلام: مدرسة جنديسابور، حران، الإسكندرية، إنطاكية، ثم إلى مصدرها بلدة أبديرا اليونانية حيث عاش الفيلسوفين الماديين ديموقريطيس، ولوكيبوس الذين تحدثا عن الآتوموس Atomos، أي الجزء الذي لا يتجزأ. وقد وضع الفيلسوفان نظريتهما لتفسير الكون وظواهره بشكل منطقي، وتميزا بالقول أن الوجود لا يتكون إلا من الجواهر (الذرة) وهو خالد، ولانهائي. ثم يخلص المعمري إلى وضع خاتمة أن العقيدة الإسلامية لم ترفض منظومة ما لا يتجزأ بسبب تهديدها للعقيدة بل استدمجتها، وأعادت تشكيل وحداتها وعناصرها، لتصبح سلاحاً توحيدياً. إنها لم تلغِ العدو من الوجود بل طوعت العدو ليصبح جزءً من تركيبتها ص 96.

منازع الكندي ومشكلته الحضارية:

يواجه الكندي منازعاً في الدين له شعبية اجتماعية تدعم أطروحاته ص 58. إننا هنا بين خصمين يمثل أحدها تديناً شعبياً، والآخر تديناً عقلانياً. لا ندري تماماً ما هي نهاية السجال بين الفريقين في عصر الكندي. لكن الظاهرة تتكرر في عصرنا الحالي. ينتمي منازع الكندي للمذهب الإباضي، ويؤمن بنظرية الجوهر والعرض التي تفسر الوجود. إن الفرق الأساسي بين الكندي ومنازعه، هو أن المنازع يؤمن بإمكانية تجزئة الجزء الذي لا يتجزأ -أي الجوهر- إلى ما لا نهاية. ويرى الكندي في هذا نقضاً للعقل والإيمان.

وإن رسمنا الاختلاف بشكل أكثر وضوحاً، فسيكون: الجزء الذي لا يتجزأ هو القانون. والمنازع يقول بـ انكسار أو بطلان "القانون" إن شاءت القدرة الإلهية. أي أن منازع الكندي يؤمن بإمكانية رفع أو انكسار القوانين الكونية (باعتبار أن منظومة الجوهر هي قانون الوجود كما أسلفنا). كان سؤال خصم الكندي "هل الله قادر على تجزئة الجزء الذي لا يتجزأ؟"، والصيغة الحديثة له: "هل الله قادر على كسر القوانين الكونية؟". يمثل هذا معضلة حضارية. يقول المعمري ص 62 "إن فتح الباب على مصراعيه للإيمان المطلق الذي لا يحده عقل يؤدي إلى بطلان الحقائق، وعندها يتساوى كل شيء، ويصبح الصالح كالطالح، والمؤمن كالكافر".

يشملُ الكون المادة الحية وغير الحية. ورغم أن المادة الغير حية صماء جامدة إلا أن قوانيناً وعللاً متبدالة تنظمها جميعاً. يكتشف العلم باطراد هذه القوانين ليفهمها، ويعمل على استغلالها لصالح الإنسان. إدارك أن العلل والقوانين المادية هي التي تسير هذا الكون كفيل بتغيير الرؤية التي ننظر بها للكون. لكن مازال جزء مهم من العرب المسلمين يؤمن أن هذه القوانين قابلة للتعطيل، ما يفتح المجال لتصورات غير علمية للكون.

يمسي مجتمعنا العماني (وفضاءه الأعم العربي الإسلامي) مؤمناً بشكل غير واعٍ أن الله قادر على تجزئة الجزء الذي لا يتجزأ. وإن كانت هذه الرؤية الجمعية غير واعية، إلا أنها تحرك المجتمع وتحدد رؤيته للعلم. يقودنا هذا إلى التقليل من قيم العمل، والإنتاج، والإنجاز، والابتكار. إذ أن القانون يمكن أن يكسر، ويعطل. فتنتشر المحسوبية، وتتضخم الأجهزة البيروقراطية لإنجاز قدر معين من العمل.

إننا نعيش في هذا المأزق الحضاري، وهو مأزق عميق وسحيق. لكننا يجب أن نتجاوزه عبر إدراك الفلسفات والمنظومات الفكرية التي تحكمنا الآن، وتقييمها انطلاقاً من الواقع والمستقبل القريب. إن "سَفر المنظومات" يقدم -وإن بشكل موارب- هذا التساؤل الحضاري القديم: هل الله قادر على تجزئة الجزء الذي لا يتجزأ؟

ختاماً، أورد ملاحظات متفرقة على محتوى الكتاب:

- يمثل الفصل الأول من الكتاب درساً في أساسيات المنطق. بينما الفصول 4-2 تحوي شرحاً وافياً للمنظومات (الفرضيات\النظريات العلمية)، وعلاقاتها الداخلية، وتماسكها المنطقي. تمثل هذه الفصول زاداً مهماً لطلبة الثانوية، والجامعات. تدربهم على القواعد الأساسية للمنطق، فينتج لهم تفكيراً منظماً علمياً.
- المنظومة المفهومية في حقول العلم التطبيقي هي الفرضية (أو النظرية) العلمية. هذا ما يمكن أن يختبر عبر مناهج علمية متعددة. ومع تطوير هذه المناهج أو حدوث اكتشافات علمية يمكن لتلك الفرضيات/النظريات العلمية أن ترمم مراراً أو تستبدل تماماً.
- ما يؤكد عليه المعمري خفية هو ضرورة وضع المنظومات الفكرية (في حقولها الشتى) تحت اختبار المناهج العلمية.

- توسع الكاتب في إيراد أمثلة من علوم شتى توحي للوهلة الأولى أن الكتاب ذو تعقيد شديد.
- وجود ثغرات منطقية في "المنظومات المفهومية" عند الكندي. إذ لا يورد تعريفاً للعقل، وهو مصطلح جدلي في الفكر الإسلامي. هناك أيضًا خلل منطقي في منظومة القدرة التي توجد -بحسب الكندي- الجوهر والعرض. في حين أن العرض -بحسب الكندي أيضًا- ليس قائماً بذاته، بل هو ما قام بالجوهر ص 47. ولهذا الخلل تأثير كبير على البناء المنطقي لنظرية الكندي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق