الأحد، 22 مايو 2011

نحو لجنة وطنية لدراسة مطالب المواطنين لعبدالله خميس

نحو لجنة وطنية لدراسة مطالب المواطنين لعبدالله خميس
لم تهدأ الأمور في بلادنا بعد منذ أحداث 25 فبراير الماضي، وقد تم القاء القبض على مئات من المواطنين بدعاوى مختلفة مرتبطة بخروجهم للشارع للتعبير عن مطالبهم لتحسين ظروف الحياة السياسية والاقتصادية والمعيشية، وإذا كان قد تم الإفراج عن الغالبية الساحقة من هؤلاء بعد أن وقعوا على تعهدات بعدم العودة للإعتصامات بدون إذن مسبق من الجهات المختصة، فإنه في المقابل يخشى الكثيرون أن يكون مثل هذا الحل الأمني سببا في غليان مكبوت. نقول أن الأمور لم تهدأ في بلادنا بعد، والسؤال الأهم المرتبط بهذه الحقيقة هو: هل عليها أن تهدأ أصلا، أم تتواصل؟ هل خيرُ البلد ومصلحتها يكمنان في استمرار الاعتصامات السلمية أم في منعها وحبس كل من يخرج للإعتصام وإجباره على التنازل عن حق دولي قانوني يتمثل في الاعتصام السلمي؟ هل عُمان الساعية للقضاء على الفساد تتحقق بممارسة الناس لحقوق تكفلها الدساتير، أم تتحقق بمنعهم من ممارسة هذه الحقوق؟

يكرر الكثيرون الآن عبر وسائل الإعلام ان "كثيرا من مطالب الناس قد تمت تلبيتها" وأنه بذلك لم يعد هناك من مبرر لاستمرار الاعتصامات، وفي ذات الوقت حسمت الجهات الأمنية أمرها بإعداد لائحة بالتهم على مختلف المعتصمين في كافة ربوع عمان مرة تحت تهمة "التحريض على الفتنة" ومرة تحت تهمة "التجمهر". وإذا كانت المؤسسات الأمنية تمنح لنفسها الحق في أن تُشَرّع ما تشاء من قوانين وأن تعتبر الحقوق الإنسانية العامة للبشر –كحق التعبير عن الرأي، حيثُ تعتبر المواثيقُ الدوليةُ الاعتصاماتِ أحد الأساليب الحضارية للتعبير عن الرأي بشكل سلمي-، نقول إذا كانت المؤسسات الأمنية ترى أن لها الحق للنظر في تلك الممارسات باعتبارها تُهما تستحق العقاب، فإنه في المقابل من حق الشعوب أن تنتهج ما تراه مناسبا من وسائل سلمية يقرها العالم أجمع للتعبير عن الرأي، فما تقرره الجهات الأمنية من قوانين –في عمان أو سواها- ليس بالضرورة صائبا دوما. في وسط هذا التجاذب تعود بنا الأمور للتساؤل الرئيس: هل تم حقا تلبية نسبة كافية من مطالب الناس حتى تطالبهم الجهاتُ الرسميةُ بالكف عن الاعتصامات؟


المطالب التي خرج الناس لأجلها في صحار وظفار وصور ومسقط وبقية ربوع عمان كانت متعددة، وكان حريا بالدولة أن تُشكل لجنة وطنية فيها أعضاءٌ ممن صاغوا هذه المطالب وأعضاء من الأنتلجنسيا العمانية (أهل الحل والعقد) وأعضاء آخرين من جهات قانونية وإدارية واقتصادية لفحص هذه المطالب ودراستها وإعداد توصيات بشأنها ترفع مباشرة لجلالة السلطان المعظم، ولا بأس من أن تحوي اللجنة مراقبين دوليين من المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان. أهمية مثل هذه اللجنة تتمثل في فرز المطالب واستبعاد غير العقلاني منها ورفع توصيات بالعقلاني، على أن تتابع هذه اللجنة ما تم إقراره من توصيات وما لم يتم. ليست جميع مطالب العمانيين عقلانية، هذا صحيح، لكن كثيرا منها جوهري ومهم، وإذا كان هناك خلاف قد ينشب بين ما يراه فردٌ ما عقلانيا (مثل مطلب إسقاط القروض) وما يراه فرد آخر غير عقلاني، فإن قرار إبقاء المطلب ورفعه للدولة أو التخلي عنه يعود لهذه اللجنة المتشكلة من كافة أطياف المجتمع، إذ سيكون في اللجنة مختصون اقتصاديون ليقرروا إذا ما كان إسقاط الديون ممكنا ماليا للدولة أم أنه مطلب تعجيزي وقد يتسبب بضرر على الإقتصاد الوطني، وسيساهم الأعضاء الحقوقيون في اللجنة في تحديد مدى مشروعية مطلب كهذا وما إذا كانت توجد له مصوغات قانونية وأخلاقية تدعمه أم لا، وفي النهاية فإن توصيات اللجنة سترفع للذي بيده اتخاذ القرار، وبعد ذلك يكون دور هذه اللجنة هو مراقبة ما نُفّذ وما لم ينفذ من مطالب.


أليست مثل هذه اللجنة تنطوي على إضاعة للوقت ومط للأمور، وما أهميتها طالما كانت مطالب الناس قد وصلت بالأساس لصانع القرار عبر عدة مسؤولين رسميين كمعالي السيد وزير ديوان البلاط السلطاني وكذلك عبر محافظ ظفار؟ أهمية مثل هذه اللجنة تكمن في أنها تنقل المَطالب من مجرد "التماس شخصي" قدمه أفراد من المجتمع، وهو التماس يُمكن الرد عليه أو تجاهله—لا فرق، فهو لا يحمل صبغة "رسمية"، إلى صيغة رسمية قانونية تقرها الدولة ويرتضيها المجتمع. "لجنة دراسة مطالب المواطنين العمانيين" ستعمل إذن على منح صبغة رسمية لمطالب الناس، كما ستعمل على التحقق من أن المطالب المرفوعة للدراسة هي فقط تلك المطالب التي تتصف بالمنطق وتتناسب مع ظروف البلد وتنطوي على إمكانية واقعية لتحقيق النفع للصالح العام. وستعمل اللجنة بمثابة قناة وصل رسمية بين المواطن والمشرّع لرفع التوصيات ومتابعة التنفيذ في حال صدرت من صانع القرار توجيهاتٌ محددة تتعلق بتلبية المطالب المرفوعة—كلها او جزء منها.


قبل فترة وجه جلالة السلطان المعظم بعمل دراسة للنظر في مدى إمكانية تأسيس جمعيات تعاونية، ولكن لم نسمع بعد ذلك عن أي جديد يتعلق بهذا التوجيه السامي. هنا تبرز أهمية دور "لجنة دراسة مطالب المواطنين العمانيين" في أنها ستتابع تنفيذ التوصيات. هذا مجرد مثال واحد، لكن الأهم من الأمثلة هو أن اللجنة ستكون بمثابة صيغة وطنية معترف بها رسميا من قبل الدولة والمجتمع على حد سواء لتمثيل مطالب الإصلاح والتطوير، وهذا سيجعل النظر في ما ترفعه هذه اللجنة من توصيات ومقترحات للمشرع مُلزما بالرد عليه سواء بالقبول أو الرفض، وهو ما سيرفع مطالب الناس من فئة الطلب أو الالتماس ذي الطابع الشخصي إلى مستوى الفريق الوطني الرسمي المكلف بالعمل والتنسيق مع الحكومة بوصفه حلقة وصل قانونية بين القاعدة والهرم. يُمكن أن يُرفع اقتراح تشكيل اللجنة بالأسماء الأولى المقترحة لعضويتها من جانب مجلس الشورى، أو من جانب مجلس عمان (المتشكل من مجلسي الشورى والدولة معا)، وبذا نضمن أنها ستنطوي على الحد الأدنى –وربما الأقصى- من الاسماء الممثلة للشعب وجهات الاختصاص في الحكومة معا.


هل على الاعتصامات أن تتوقف أم تستمر، هل ما يُسمى بالتهدئة هو لصالح عُمان أم ضدها؟ أسئلة تصبح الإجابة عليها ممكنة عندما تكون مطالب الناس قد تم إقرارها ممن يمثل هؤلاء الناس ويرتضونه، وأن تكون جميعها مطالب يتفق عليها الشعب وتحقق المصلحة العليا للوطن كله، وأن تكون السُلطة مطالبة تشريعيا وقانونيا بالرد على هذه المطالب والنظر فيها لأنها مطالب ذات صبغة قانونية رسمية، أما الالتماسات الشخصية فلا توجد سُلطة في العالم ملزَمة بضرورة الرد عليها. إن "اللجنة الوطنية لدراسة مطالب المواطنين العمانيين" قادرة على أن تكون هي الصيغة الضامنة كي يحظى المواطنون بحقٍّ قانونيّ في سماع رد الدولة على مطالبهم، مثلما تضمن الدولة وصول خلاصة مطالب الناس المنطقية إليها. لجنة مصغرة من هذا القبيل مُشكّلة حاليا في وزارة التربية والتعليم لحصر مطالب المعلمين والتربويين وعمل اللازم نحو الاستجابة للعقلاني والممكن منها والتنسيق لتنفيذ المقترحات مع بقية جهات الدولة، وقد آتت هذه اللجنة ثمارا طيبة في فترة زمنية وجيزة. المطلوب الآن لجنة ذات شمولية أكبر لدراسة كافة مطالب المواطنين أينما كانوا. تشكيل مثل هذه اللجنة وبدءها بمزاولة عملها لن يستغرق وقتا طويلا جدا كما قد يتخيل المرء، بل إن ذلك سيكون أقصر بالتأكيد من اعتصامات قد تمتد طوال الصيف وما بعده ولا يجد أصحابها من يعيرهم انتباها إلا الحرارة والرطوبة وبعض الليالي المزعجة خلف قضبان السجون، مع مزيد من الاحتقان الذي نتمنى زوال مسبباته طالما كانت الفرصة لا تزال سانحة لذلك.



المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق