الأحد، 13 سبتمبر 2009

حفلة التيس

حفلة التيس


الكاتب: ماريو بارغاس يوسا
ترجمة: صالح علماني
الناشر: دار المدى
الكتاب: 440 صفحة من القطع المتوسط.

من هو التيس؟

تعرفتُ لمعنى آخر لهذه المفردة في الدارجة العمانية -غير ذكر الماعز- منذ ما يقرب ٣ أو ٤ سنين. تُستخدم هذه اللفظة لنعت الرجل النشط جنسياً، والذي يتميز (أو يتصف) بتعدد علاقاته الجنسية. وقد ظننتُ حينها أن هذا المعنى مقتصر فقط على الدارجة العمانية، أو حتى فقط على بعض مناطق عمان. إلاَّ أن فكرتي هذه تغيرت حينما اطلعتُ على كتاب سيد القمني "الأسطورة والتراث" سابقاً، فاكتشفتُ أن التيس له دلالات أخرى في أساطير منطقة الجزيرة العربية قديماً.

ومن هُنا، حينما أخبرني الصديق عوض اللويهي عن هذه الرواية شدَّني اسمها، فتبرع اللويهي بإرسالها لي. وقد فعل ذلك مشكورا.ً
.

حفلةُ التيس، ما أزال محتاراً في دلالة معنى العنوان حتى بعد انتهائي من قرائتها بتمعن شديد. فقد توصلتُ لمعرفة هوية التيس، لكنني ما أزال متردد في الحفلة. لم يكن التيسُ: النشط جنسياً، والديكتاتور الأحمر، والجاهل الأرعن، والسارق لخير الأمة، والرئيس الموقر سوى الديكتاتور تروخييو مولينا ديكتاتور دولة الدومينيكان طيلة ثلاثين سنة حتى اغتاله شباب من الناقمين عليه بدرجة كبيرة.

كانت "حفلة التيس" من ذلك النوع من الروايات أو الكتب التي تملأ قارئها حتى الثمالة عبر رحلة إنسانية مثيرة ومشوقة وعميقة لتمر عبر حالات إنسانية متطرفة تتسم بالمتعة الحقيرة، أو الذل الكبير، والذي ينتهي عادة بإثارة الأحقاد العاصفة حتى تنتهي بمقتل مسبب هذه الأحقاد، وقد كان هُنا الديكتاتور تروخييو.

يستخدمُ بارغاس يوسا ضمير الغائب ليروي هذه الرواية المتشعبة. يستخدمُ ضمير الغائب بخفة وبراعة كبيرة ليحكي على لسان شخصيات متنوعة، ولينقل مشاعرهم، ويحاكمهم أحياناً، ثم ينتقل برشاقة لينقل دفوعات شخصياتهم أو خوفهم وقلقهم النفسي. ولعل الكاتبُ سردَ أحداثاً بلسان شخصيات عديدة في الرواية باستثناء الديكتاتور تروخييو الذي نقل الجميعُ الصورةَ والخوف منه وعنه، فقد كان ذلك الصنمُ الفرعوني أبو الهول الذي يقفُ شامخاً ليثير الرعب في الجميع، إلاَّ أن صروف الدهر كانت أقوى عنه فانفجرت مثانته لتثير قلقه العميق بشأن فحولته التي طالما تفاخر بها.

وفي هذه الرواية يرسمُ بارغاس يوسا مجاهل السياسة كسياسي خبير، ويرسم قسوة الحكم الديكتاتوري ودنائته، واستخدامه الأمثل للمثقفين في تسويق صورته الإلهية والضرورية للشعب. لقد آمن الدومينيكانيون العاديون بضرورة حكم تروخيو، ولم يستطيعوا تخيل حاكم آخر غيره، فقد جعله الله خليفته في أرضه، وبواسطة الديكتاتور ترسخت الهوية الوطنية، وصُدَّ الأعداءُ، وحُققت الوفرة المالية. لم يشذ عن هذه الرؤية إلاَّ الذين عايشوا النظام من الداخل، عرفوا كيف تسير الأمور، وكيف تتحول الدولة الوطنية إلى أسهم عائلية في شركة يمتلكها المنعم الكبير.

للرواية عدة محاور تأتي على لسان أبطالها، محور متسع على لسان منفذي الاغتيال للديكتاتور. كانوا خمسة ويقف ورائهم شبكة واسعة من أعيان النظام نفسه أرادوا التخلص من التيس الشيطان. ومحور آخر يسردُ أحداث الماضي التي تطلعُ القاريء على الدومينيكان والأحداث التي أدت إلى تنصيب تروخيو ديكتاتوراً على الدومينيكان. أما المحور الأبرز والشد بريقاً إنسانياً فقد كان مع مولينا كابرال ابنة الوزير أوغسطين كابرال التي هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهي مراهقة صغيرة لتعود إليه بعد أكثر من ثلاثين سنة. تبدأ الرواية مع مولينا كابرال، وتنتهي معها، ولا يكتشفُ القاريء سر حقدها الدفين على بلدها وأبيها إلاَّ في آخر الصفحات التي تسردُ فيها اغتصابها من قبل الديكتاتور تروخيو.

شدَّني كقاريء سردُ الكاتب للأحداث التي تلت اغتيال تروخيو، واحساس الدومينيكانيين بالخسارة التاريخية جرَّاء ذلك. لم يستوعب الدومينيكانيون أن التيس مات إلاَّ بعد أسابيع، ولم يستعبوا التاريخ الجديد الذي أطلَّ عليهم إلاَّ بعد شهور، ولم يظهر في الشعب والصحافة الناسُ الذين ينتقدون النظام البائد وفساده إلاَّ بعد شهور مديدة. أيضًا ترسمُ الأحداثُ الأصابع الأمريكية التي تتدخلُ في كل شيء كي تسير مصالحها كما ينبغي.

هناك تعليق واحد:

  1. لم اقرأ بعد هذه الرواية لكني أملكها إنما التي قرأتها لذات المؤلف هي رواية شيطنات الطفلة الخبيثة
    أتمنى منك قراءتها
    لك الود

    ردحذف