الجمعة، 12 يونيو 2009

غرقان في سبينوزا

غرقان في سبينوزا

"هؤلاء الذين يريدون البحث في أسباب المعجزات، وفهم ظواهر الطبيعة كالفلاسفة، والذين لا يكتفون بالتحديق فيها في دهشة كما يفعل الأغبياء، سرعان ما نعتبرهم ملحدين كفرة"


حدَث أن تكون بحوزتي مجموعة من الكتب المتنوعة. وحدث بمحض الصدفة أن رآها بعضُ الأصدقاء، ومن ثم بدأنا نوزع الكتب للقراءة. البعضُ يقرأ للتسلية، والبعضُ لتمضية الوقت، والبعضُ للمعرفة. وفي كلٍ خير..

قبل ساعات تذكرتُ صديق استعار مني رواية "عالم صوفي" لجوستاين جاردر، وأذكرُ أني حمسته قائلاً أن الرواية ستروقه جداً بحكم معرفتي بميوله الثقافية. أرسلتُ له سائلاً عن حاله، فردّ عليَّ: "غرقان مع سبينوزا".

ومن ضمن المفارقات القدرية التي تحدثُ في حياة الإنسان، هو النية التي بيّتها لشراء "رسالة في اللاهوت والسياسة" من معرض مسقط للكتاب للفيلسوف العقلاني باروخ سبينوزا، إلاّ أن الوقت لم يسعفني وأسعفَ صديقة عزيزة لشراء الكتاب، ولتخبرني ولتأكلني الحسرة. اضغط هنا لمعرفة آراء سبينوزا.

والجميل في "عالم صوفي" هو البراعة التي رسم بها مؤلفها جاردر رواية ضمن رواية. كانت صوفي وعالم ومعلمها الفلسفي ألبرتو كنوكس جزءً من رواية يكتبها الكولونيل مولر كناغ. وقد أدركتْ صوفي في نهاية الرواية أنها جزء من رواية يكتبها الكولونيل. لكِّن معلمها الفيلسوف كنوكس رمى لها حجراً آخر في بحيرة الأفكار عندما أشار إلى احتمال كون كناغ أيضًا جزءً من رواية أخرى. أراد جاردر برأيي الإشارة إلينا نحنُ كجزء من قصة العالم التي رسمها الله بدقة، ولكن هذا الوعي التناظري قد يكون هو أيضًا جزء من شيء آخر..


الموت حيـَاة

الموتُ حيـَاة

قبلي لم يوجد زمان،
بعدي لن توجد كينونة،
هو يولد معي، وهي تموتُ معي أيضًا..
دانيال فون زيبكو

مثل كل الأيام كان الراديو يبث موجة إذاعة الموسيقى الكلاسيكية حينَ فاجأني زميلي بموسيقى أليسا الصاخبة. التقت الموسيقتان، وقد أحسستُ بشيء خاطيء في تلك اللحظات. ربما لا يجدرُ بالبائع خلط الماء باللبن، أو أليسا بالموسيقى الكلاسيكية. في تلك اللحظة الخاطئة وصلني هاتف ينبيءُ بوفاة أبِ صديقي. كل اللحظات الخاطئة قد تجتمع في وقت واحد كي تصير تلك اللحظة خاطئة جداً وبشكل غريب. والغريبُ في الأمرِ أنَّ هذا الصديق كان في عمان قبل أسابيع بسيطة، لكنه غادرها وكأن القدر يدفعه كي لا يشهدَ جنازة والده.

الموت؟ ومن قال أن الموت غير مخيف. ربما ما يثيرهُ تلك الأخبار التي طبع عقلنا بها حينما نسمعُ عن موت أو نراه. كان هذا الصديق صعب المراس، كأنهُ قُدَّ من صخر لكنه حينما ذهبتُ إليه للعزاء كان منكسراً مثل الصخرة التي تتحدرُ من قمة شاهقة. كان حدثاً مؤسفاً جداً.

وحينما كنتُ هناك -عنده- تذكرت بعض اللحظات التي مرّت بحياتي ورأيتُ فيها جنازة إلى القبر، أو شخصاً يموت، أو شخصاً مات، أو جثة قد تشوَّهت. وتذكرتُ أيضًا ضحك الصبية والحمقى من الناس حول الجنازة. وكأن عين الموت ترعاهم من بعيد وتقول لهم: سأضحكُ منكم غداً كما تضحكون. وراودني السؤال الأصعب: مالذي أتى بنا للحياةِ؟

رحمه اللهُ ورحمنا جميعًا..

الأحد، 7 يونيو 2009

لص الدجاج- قصة قصيرة

لص الدجاج- قصة قصيرة
أخشى أن تتحول مدونتي بمرور الوقت لمدونة أدبية. فالأدبُ ليس حياة، وإن يصعب تخيل حياة دون الأدب. هذه قصة قصيرة أخرى أنبشها من الإرشيف، وسوف تكون الأخيرة.

في زمن فقير جدًا نسيَ المؤرخون تسجيله، كان سعر الدجاجة ككيلو الذهب! في هذا الزمان عاش رجل فقير مع زوجته ودجاجته الفقيرة. ورث الرجل الدجاجة من أبيه عن جدِّه كابراً عن كابر.

كان الرجل الفقير يأخذ كل يوم بيضة من الدجاجة إلى السوق ليشتري بها ما يحتاجه منزله وعلفاً للدجاجة.. مضت الأيام هكذا.. الناس في جوع شديد.. بعض الناس تموت وقليل يولد.. الكثير من الناس الأحياء حسدوا الفقير على دجاجته، ولهذا كان الفقير يضعُ دجاجته بينه وبين امرأته عند النوم!

في ذلك الزمن الفقير جدًا سطا لصٌ فقير جداًعلى منزل صاحبنا "صاحب الدجاجة". لم يجد إلاّ الدجاجة فأخذها معه إلى كوخه. انتظر اللص البيض .. لم تبض الدجاجة!.. انتظر أيامًا، أسابيعاً وعندما سألها "لماذا لاتبيضين؟"، قالت إنها "تحتاج إلى ديك".

سرق اللص الفقير جداً ديكاً من مدينة أخرى، لكنه كان ديكاً منتوف الريش -بسبب جوعه- فلم يستطع تأدية خدماته الزوجية. اضطر اللص لبيع كوخه حتى يُطعم الديك. يوماً فيوماً كبر الديك، نبت الريش، انتفخ الديك مؤذناً بتأدية الخدمات الزوجية.

حان موعد بيض الدجاجة، ولكن الشرطة أتت مع الرجل الفقير صاحب الدجاجة، فأخذت الدجاجة واللص إلى المخفر. اعترف اللص بسرقته.. أخذت الشرطة البيض وأخذ الفقير الدجاجة.. وحينها صاح اللص والدموع في عينيه:

"لقد أطعمتُ الدجاجة من عرق جبيني حتى باضت؟!"

ردّ الشرطي:

"إنه زمن فقير جداً نسيَ المؤرخون تسجيله"!


الخميس، 4 يونيو 2009

خطاب أوباما للعالم الإسلامي

خطاب أوباما للعالم الإسلامي








جميل، ومشجع. ينبغي أن أقف مع هذا الخطاب مطولاً. أتمنى أن يمنحني الوقتُ تلك السانحة.


أنا هو الله قصة

أنا هو الله- قصة


قصة أنفضُ عنها غبار الإرشيف.


عندما رمى الحطاب فأسه بعيداً عن الخشب الذي كان يحطبه قرر أنه لن يحطب مجدداً.

قال لنفسه :
- الحطابة ليستِ الشيء الأهم في حياتي. لايهمني شيء في الحياة مثل رؤية الله!
أدركُ أن الله حين خلقني غرس في قلبي هذا الشوق العظيم لرؤيته والتمتع بجمال وجهه. لكن أين أنت يالله ؟

قلَّب الحطاب نظرهُ في السماء و كأنه يتفحصها جيداً قبل الذهاب لكوخه بأخشابه المقطعةِ.


الحقيقة أنه يعلن اعتزاله لمهنة الحطابة يومياً ولكنَّ الفقر وشدة الحال تجعله يرجع لحرفته التي لا يعرفُ غيرهَا. لم يكن همُ الحطاب في هذه الدنيا إلاَّ هاجس لقاءه مع الله. هذا الهاجس جعله منعزلاً عن مجتمعه القرويِّ ، فهو لبث في التفكير بملاقاة الله منذ أن تهامست القرى في ديار السامرة أنَّ عزرا وليُ الله قد رأى الله بعينيه الإثنتين ثم ماتَ. لم يرى أحدٌ عزرا و هو يرى الله و لكنَّ الكُهان يرددون هذا بين الناس وهذا الخبر هو ما يتناقله أهالي السامرة منذ أعوامٍ. هذه الحادثة أوحتْ للحطاب أنه يستطيع رؤية اللهِ في يومٍ ما، و هذا ما جعله يقوم بزيارة ضريح عزرا كلَّ سبت طالباً البركة وداعياً بكل المقدسات أن يستطيع ملاقاة الله.


استمرت أيام الحطابِ على هذا المنوالِ حتى جاءت ليلة الأحد العظيمة وهي الليلةُ التي مات فيها عزرا. حلمَ الحطابُ في تلك الليلة أنه يرى السماء تنشق فيهبط منها شيخٌ وقورٌ ذو لحيةٍ بيضاء كثيفة.

سأل الحطاب الشيخ :
- من أنت ؟
- أنت ماذا تريد ؟
- الله! أريدُ أن أرى اللهَ.
- إن كنت تريد رؤية الله ، فلماذا لا تبحث عنه ؟
اذهبْ و أسألْ عنه. حتماً ستجده في مكان ما.

ما إنْ ظهرت الأنوار الأولى للصباح حتى حمل الحطابُ زوادته فوق ظهره بادئاً رحلة البحث عن الله. بدأ خطواته الأولى راكضًا في إتجاه مشرق الشمس و السعادةُ تغمرُ وجدانه. توقف الحطاب بعد دقائق معدودة مستدركاً نشوته بتساءله عمن سيدله عن مكان الله.


بعد تفكير بسيطٍ تذكر الحطاب أنَّ الكهنة هم فقط من يعلمون أمور الغيب وأمور الحياة أيضًا. إنهم يعلمون أين رأى عزرا اللهَ ولذا فهم من يجب أن أتوجهَ إليهم.

ركض الحطاب بسرعة الريح إلى معبد القرية فرأى هناك الكاهنَ يقوم ببعض التراتيل المأثورة. سأل الحطاب الكاهن:
- أين أجدُ الله ؟ أريدُ رؤيته.
قال الكاهن بنبرة تأنيبية :
- بنيّ.. هذا ليس موضوعًا للمزاح.
- أنا لا أمزح ، أنا أبحث عن الله وأريد رؤيته.
و بعد أن تبين الكاهن الجدية الكبيرة في عين الحطاب استشاطَ غضباً و صرخ متوعداً:
- أيها الزنديق الملحد ، أتريد أن تبتدع في دين آبائنا و أجدادنا؟! ستُجازى على صنيعك هذا خير الجزاء. سيرفع اسمك إلى مجلس الكهنة لتلاقي جزاء البدعة التي تحدثتها في هذا الدين.

هربَ الحطاب حالما سمع هذا الكلام إلى خارج قريته الصغيرة التي لن ترى الله كما قال الكاهن. بدأ الحطاب في البحث عن الله في الطرقات و بجانب الأنهار و فوقَ قممِ الجبال و في الحانات أيضًا! لم يدع الحطاب مكاناً يعتقد أنه يستطيع رؤية الله فيه و لمْ يزره. انقضتْ ثلاثةُ أشهرٍ على بداية البحث الغريبة عن الله و لم يجد الحطاب شيئاً في كل الأنحاء التي بحث فيها.


بعد أن أحس الحطاب بالضياعِ و التشتتِ قفزت في رأسه تلك الشخصية الغامضة التي سمع عن كراماتها الكثيرُ من أبناء السامرة. و لذا سأل الحطاب نفسه :

- لماذا لا أزورُ الحبر الأعظم؟ إنه الإنسان الوحيد الذي بلغ من الحقيقة الغيبية مبلغاً لم يصله أحد من قبل.
توجه الحطاب إلى مرتفعات الجليل حيث يعيشُ الحبر الأعظم وحيداً منذ سنين طويلة. بعد إنقضاء أيامٍ صعبة في البحث عن الحبر لمح الحطاب من بعيد كوخاً تختبيء بين الأشجار الكبيرة. قصده سريعاً، و ما إن وصل هناك حتى رأى شيخًا ذي هيبة. كان منظر الشيخ يبعث الخشية والطمأنينة في نفس الحطاب. أنستِ الرهبة الحطابَ القدرة على النطقِ ولو بحرف واحد أمام ذلك الحبر العظيم.

ولمَّا لم يتكلم الحطاب ، تكلم الحبر بنبرةٍ أبوية :

- إنَّ الذين رأووا الله ثلاثةٌ لاغير. رأى آدمُ اللهَ حين خلقه، ورآه الشيطانُ حين عصى، ورآه موسى حين كلَّمه على الجبل.
تساءل الحطابُ : وماذا عن عزرا؟ ألم يرى الله ؟
استدركَ الحبر الأعظم : عزرا لم يرَ الله . عزرا رأى ظلَّ الله و مات. إن أردت رؤية الله تخيَّر أحد الطرق الثلاثة التي أخبرتك عنها.

خرجَ الحطاب من عند الحبر الأعظم و هو يداعب أشواقه لرؤية الله. لقد عرف الحطاب الطرق التي تقود إلى مكان الله، و لكنه بدأ يحتار في أيٍّهم يسلك. بكل تأكيد طريقُ آدم غير طريق موسى و هي أيضًا غير طريق الشيطان اللعين. كل واحد من هؤلاء الثلاثة اختلف مصيره بعد رؤية الله. فكَّر ملياً و من ثم اتخذ قراره بأن يسلكَ طريقَ آدم ليرى الله و ذلك لأنه ابن آدم.


كان الحطاب يدرك أن آدم خُلق من طين، وهذا هو الذي وجَّههُ إلى مصب النهر حيث تكثر المستنقعات والأوحال الكثيرة. أقام الحطابُ في المستنقعات نهاراً. أمَّا في الليل فإنه كان يأخذ من الطين ما يكفي لتغطية جسده كاملاً. استمر الحطاب على هذا المنوال أيامًا وشهوراً وسنواتٍ كثيرة. لم تستطع الطيور و الحيوانات و السيَّارة من بني آدم تمييزه من قِطَعِ الأخشاب التي ترتمي على ضفة المستنقع أو من بعض الزواحف التي تسكن اليابسة وماء المستنقع. ظل هاجسُ رؤية الله هو المسيطرُ في نفس الحطاب طوال تلك السنوات. لم ينقص الشوق بل زاد الفضول إلى ذلك الموعد المرتقب.


كان الحطاب يَعُدُّ الأيام والليالي منذ اليوم الأول. توقف عن العدِّ حين اكتملت العشر سنوات بالتمام. سأل الحطاب نفسه في تبرم كبير :


لماذا لم أستطع رؤية الله طيلة العشر سنوات مثل آدم ؟ هل لأن هذا الطين لا يشبه طين آدم ؟

أجاب الحطاب على سؤاله هذا "بربما". ثمَّ أردف :
لكنني متأكد إن اختلف طين عن طين فإن الشرَّ لا يختلف أبداً بعضه عن بعض، و المعصية لا تختلف في آثامها عن المعصية. إنَّ الشيطانَ رأى الله بسببِ المعصية و سأرى الله بسببِ المعصية ولو كان هذا عقاباً لي وليس جزاءً. إنَّ رؤية الله تتطلب مشقةً عظيمةً يجب أن أبذلها.

قصد الشيطان مدينة كنعان التي كانت في حالةِ عداءٍ مع السامرة. بعد المسير أياماً وصل الشيطان كنعانَ ليلاً. تسلل إلى قلب المدينة حيث يقع السوق الكبير فرأى هناك صائغاً يهم بإغلاق دكانه فما كان منه إلاَّ أن قتله ثم سَرَقَ جميعَ المجوهرات من ذلك الدكان. باع الشيطان تلك المسروقات و قبض ثمنها نقداً ما جعله أحدَ أثرياءِ كنعان. لم يهرب الشيطان من كنعان بعد جريمته الأولى بل استقر هناك ليبدأ مهمته الغامضة.


بعدَ شهورٍ بسيطةٍ اضطربت الأحوال كثيراً في كنعان حتى أغلق كل بيت بابه نهاراً واستعدَّ ساكنوه ليلاً لقتال كل من يقتحم بيوتهم. انتشرت السرقات و جرائم القتل في المدينة. كان الفلاحون والفقراء هم أولى الضحايا ما جعل الناس تتهم الأسر النبيلة بفعل ذلك بغرض استغلالِ الأراضي الزراعية التي يمتلكها الفلاحون. ومن ثم طالت هذه الأحداث التجار أيضًا فأفلسَ الكثيرُ منهم وقُتل الكثير منهم وهربَ من بقي منهم إلى خارجِ كنعان. بقي حاكم كنعان في حيرة و ذهول كبير لم يستطع معه أن يحرك ساكناً. بات يشاهد المدينة تسيرُ إلى الخراب وحروبُ العصابات و الهجمات و الهجمات المضادة تلهبُ الأحداث في المدينة.


مضت الأيام المخيفة في كنعان ببطء شديد. رافق هذا نزوح فئة مهمة من سكانها إلى البراري والمدن المجاورة. مناظرُ الدماء والبيوت المحروقة كانت تفرح الشيطان لأنه كان يخلق المعاصي وهذا يعني أنه صار أقربَ إلى رؤية الله. لم ينتبه الشيطان إلى مرور الوقت كثيراً إلاَّ بعدما أحس أنَّ العشر سنوات التي قضاها في كنعان قضت على كنعان ولكنها لم تجعله يرى الله. بكى الشيطان كثيراً في ذكرى اكتمال العشر سنين على دخوله كنعان لأنه فقط لمْ يرى الله في كنعان.


و كما دخل الشيطان كنعان خرجها متسللاً. وقف بعيداً ليلقي عليها نظرة أخيرة وهي تحترق و جنود السامرةِ يدخلونها من كلِّ الأنحاء. قال الشيطان متنهداً :

- هنا الشيطانُ يعود حطاباً باحثاً عن مكان الله !
لا شكَّ أنَّ جبل موسى هو الذي سأرى على صخوره الله. هناك حتماً رأى موسى الله ، و سأراه أنا هناك.

قصد الحطاب جبل الطور، و ما إن وصله حتى بلغت النشوةُ أقصى مداها. فالأيامُ والليالي التي تفصله عن موعده مع الله سوف تنقضي بسرعةٍ. غيَّر الحطاب ملبسه و هيئته. تركَ الثوب الرثَّ الذي كان يرتديه ولبس بدلاً عنه الصوفَ و اتخذ أيضًا عصًا من شجرة التين الكبيرة. مع مرور الأيام طال شعرُ رأسِ ولحيةِ الزاهد كثيراً فبدا حينها أنه إمامُ العارفين.


كان جبل الطور مقصدَ الكثير من الزوار الذين يأتونه للتبرك بالأحداث العظام التي وقعت هناك. بدأ الزوار يلاحظون ذلك الزاهد الذي يسكن في الجبل. ثم قام الناس بأخذ بركاته ودعواته لهم. انتشر بعدها خبره كثيراً في المدن القريبة والبعيدة التي بدأت تزورُ الزاهد عوضًا عن الجبل. أتت القوافل من أصقاع الأرض لترى وجه الحطاب الزاهد. كان الناس ينتظرون أياماً أمام مدخل المغارة حتى يخرج الزاهد ليقطف ثمراًً لسَدِّ رمقِهِ. كان الزائرون يأتون محملين بالهدايا وبالمرضى أحياناً ليدعو لهم الرجلُ الصالحُ أو ليلمسهم أو حتى ليروا وجهه فقط.

مضت السنون حتى اقتربت العشر سنين من النفاذ، والرجل الصالح يحلم كل ليلة برؤية وجه الله. كانت صلاته و دعاءه لله طلباً لرؤيته تجتذب مئات من الأتباع و المريدين الذين يصطفون لتقليده فيما يفعل. كل هذا الحشود التي كانت تدعو معه لم تُيسِّر له رؤية الله المفتقدة.


في تلك الليلةِ التي اكتملتْ بها العشر سنين، هربَ الزاهدُ من الجبل طارحاً الصوف عن جسده. لم يرى الله وهو على جبلِ موسى.

أين هو الله يا ترى ؟ هذا ما حدثتهُ به نفسُهُ.

بعد ثلاثينَ سنةٍ من البحث عن اللهِ بطرقٍ مختلفة بدأ اليأس يتسرب إلى أهداب الحطابِ. لكنْ الحطاب قبل أن يحسمَ أمره في بحثه الغريب صممَ على زيارة الحبر الأعظم الذي دلَّه على الطرق الثلاثة ليعرفَ السببَ عن احتجاب الله عنه طيلة هذه السنوات الطويلة.


قصدَ الحطابُ الغابة مرة أخرى باحثًا عن الحبرِ الأعظمِ. كلما تقدم الحطاب إلى موقع الكوخ المقصود ازداد خوفه وارتعشَ بدنه بشدة كبيرة، فهو سيعرف بعد قليل لماذا لم يردِ الله أن يراه!. حينما وصل باب الكوخ تسلل إليه باضطرابٍ كبيرٍ. وزَّع نظره في أنحاء الغرفة الوحيدة فلم يرى الحبرَ الأعظمَ. قام الحطاب ينادي عالياً خارج الكوخ باسم الحبر الأعظم و لم يجب أحد أيضًا. أبصر الحطاب شاهدَ قبرٍ يبعدُ ثلاثينَ ذراعاً من الكوخ. توجَّه إليه ببطءٍ شديدٍ وخوفٍ أشدَّ من رائحة الموت الكريهة التي أنستهُ مسألةَ رؤيةِ اللهِ حينها.


ما إنْ ازدادَ اقتراباً حتى استطاعَ أن يميِّز القبر جيداً. اقترب الحطاب رويداً رويداً وهو يرتجفُ. كلما اقترب أكثر تبين له المكتوبُ على شاهدِ القبر. و ما إن لامسَ الشاهدَ متحققاً من الكتابة المحفورة على وجهه حتَّى شهقَ شهقةً ارتجتْ لها أنحاء و أصقاع الغابة ، ثمَّ مات.

كان الشاهد مكتوبٌ عليهِ:
" أنا هو الله ".
.

الأحد، 31 مايو 2009

ورحل ماجد

ورحل ماجد


عندما قُتل كليبُ وائل، جاءت وفود ربيعة لسالم الزير تسأله أن يحدد دية مقابل دم أخيه. قال لهم اسألوا اليمامة ابنته. قالت: أريدُ كليبَ حياً!

أستذكرُ حديثاً متلفزاً للسلطان قابوس -سلطان عمان- يحض المواطنين فيه على العمل المتواصل بجد وإخلاص وإتقان، واستشهد الرجلُ الحكيم بحديث من الأثر جاء عن الرسول محمد حضّ فيه تابعيه أن يغرسوا الفسيلة حتى ولو سمعوا صيحة القيامة.

أكتبُ هذه النافذة اليوم والخجلُ يملأني بشدة كبيرة. كان هناك مواطن عماني (ربما سيتمنى أنه لم يكن كذلك) اسمه أحمد بن سعيد الهاشمي وقد رزقه اللهُ بمولود كما يرزق أغلب الناس في سلطنة عمان. إلاّ أن هذا المولود عانى منذ أن خلقه اللهُ تشوهاً خلقياً. وُلدَ الطفل ماجد في مستشفى صور، واكتشفَ مرضهُ الوراثي في ذلك المستشفى، إلاّ أنه وللأسف الشديد فإن مستشفى صور المرجعي لا يملك إمكانية علاج الطفل. لهذا لزمَ تحويل الطفل لمستشفىً تخصصي أكبر، وكانَ المثالُ هنا المستشفى السلطاني.

إذن دعونا نسترجعُ الأحداث مجدداً. خلقَ اللهُ طفلاً، وصادف أن سماهُ أبوه "ماجد". وكانت المصادفة الأخرى أن هذا الوليد أصابه تشوه خلقي نتيجة لمرض وراثي. المرضُ قاتل إن لم يسعفه تدخل طبي سريع ومباشر. لا بد أن يتحرك الأطباء عاجلاً، فهذه رسالتهم الإنسانية. لقد تحركوا، وشملت تحركاتهم اتصالات بالمستشفى المذكور الذي قال للمريض أننا لا نملكُ سريراً، ولهذا لا نستطيعُ استقبال هذه الحالة.

وكي لا أطنب في الموضوع، توفي الطفل "ماجد". لقد مات. أي أن الله اختاره. أي أنه دخل الجنة (ربما يقول قائل قد نجحت مؤسسات وزارة الصحة بإرسال طفل للجنة، فلنفرح!).

هل تعرفون ما الفارقُ بهذه القضية؟!

الفارقُ أنها المرة الأولى التي أرى فيها مواطناً يطلبُ على الملأ "واسطة". لقد طُرح موضوع في "سبلة عمان" يطلب من القراء الذين يملكون "واسطة" في مؤسسات وزارة الصحة أن يتحركوا لتوفير سرير للمريض قبل أن تسوء الأمور. إنها المرة الأولى التي أرى فيها طلباً عاماً للحصول على خدمة حكومية تعتبرُ حقاً أصيلاً لكل مواطن (وحتى مقيم، كلهم يصنفون ب"إنسان" وكل إنسان له حقوق).


دعونا نعود لحديث الفسيلة. هل تعتقدون أن وزارة الصحة عرقلت فعلاً نقل الطفل المريض للمستشفى السلطاني؟ هل تعتقدون أن الأمر كان فقط عوائق بيروقراطية ورعونة من بعض المسؤولين الذين أساؤوا تقدير الأمور؟ هل هي حادثة تشرفُ وزارة الصحة؟

لا أدري حقيقة إجابة واحدة على التساؤلات السابقة. لكنني أدرك حقيقة واحدة، وأراها بوضوح تام: إن ما حدث هو جريمة أخلاقية، وإنسانية كبيرة. إنها عدم اهتمام بإنسان يحتضر. لا أظن حقيقة أن ما حدث ينم عن استيعاب من قبل وزارة الصحة بحديث السلطان عن الفسيلة والتحريض على الزراعة (إن حاكينا الخطاب الإعلامي بعمان). ولا أظن أيضًا أن السلطان قابوس سعيد بما حصل (إن افترضنا صحة المعلومات الواردة هنا).

ماجد الهاشمي مات، وهو لم يدركْ بعدُ أنهُ يحملُ اسماً. ولم يدرك والديه. بل إن الأب لم يتحسس ويحضن طفله بعدُ، فقد عاجله الموتُ. ولو كنتُ مكان الأب لسألتُ المستشفى إن كان سيملك سريراً للولد قبل ولادته تحسباً للظروف!

ما حدث شبيه بما قاله درويش في جريمة قتل الدرة..

محمّد،
يعشّش في حضن والده
طائراً خائفاً من جحيم السماء:
احمني يا أبي من الطيران إلى فوق!
إنّ جناحي صغيرٌ على الريح…
والضوء أسود
محمّد،
يريد الرجوع إلى البيت،
من دون درّاجة…
أو قميصٍ جديد
يريد الذهاب إلى المقعد المدرسيّ…
إلى دفتر الصرف والنحو:
خذني إلى بيتنا، يا أبي،
كي أعدّ دروسي
وأكمل عمري رويداً رويداً…
على شاطئ البحر،
تحت النخيل ولا شيء أبعد،
لا شيء أبعد

اضغط هنا للمزيد
أيضًا هنا

الجمعة، 29 مايو 2009

قراءة في فكر الوردي «3 ـ 3»

قراءة في فكر الوردي «3 ـ 3»



كانت هنا الأجزاء الأولى، والثانية من هذه السلسلة. ونورد اليوم الجزء الأخير وهو مأخوذ من ملحق شرفات بجريدة عُمان عدد 27\05. سلسلة بسيطة طمحنا من خلالها بث بعض الآراء للقاريء، وبطبيعة الحال التعريف بالدكتور علي الوردي. أحسُ بفرحة أن هذه المقالات مرت أمام أعينُ القراء.

صالح البلوشي
حمد بن سنان الغيثي

وتستمر رحلة علي الوردي. فيدخل بكتابه «مهزلة العقل البشري» أشياء خطيرة إلى الثقافة العربية الإسلامية. حيث يقدم الوردي في هذا الكتاب خلاصة أبحاث علم الاجتماع حول حتمية نشوء التنازع في الجماعات البشرية. ثم يلتفت لموقف المثاليين من نشوء التنازع في تاريخنا.

يقسم الوردي المجتمعات إلى قسمين: مجتمع متحرك، وساكن. المجتمع المتحرك يكثر فيه النزاع، وهذا يقود إلى الصراع ثم التجديد. أما المجتمع الساكن ـ وهو شائع في التجمعات البدائية ـ فلا نزاع به، بل أفراده متماسكون ومؤمنون بما عندهم.
ترجع الأبحاث الاجتماعية ـ كما أشار الوردي ـ أسباب التنازع لطبيعة الإنسان، فالإنسان مجبول على ذلك بحكم تكوينه وإن قل التنازع الفعلي في محيطه للجأ لاصطناع تنازع وهمي ليروح به عن نفسه كالمصارعات والألعاب التنافسية. ويؤكد الوردي أن حتمية النزاعات تقودها استحالة إشباع الحاجات البشرية، وحب الإنسان لذاته. فالصراعُ هنا ليس صراعاً على الموارد والإنتاج كما هو الحال عند الماركسيين، بل هو صراع من أجل المكانة والتقدير أيضًا.
الإنسان يقود الصراع إذن، والصراع قد يتخد أشكالاً عدة وستكون له نتائج بطبيعة الحال. حب الصراع وايجاد النزاعات يقود الوردي للاعتقاد بأن الإنسان وحشي بالطبع مدني بالتطبع، وهذا معاكس لمقولة أرسطو «الإنسان مدني بطبعه». الميل للصراعات في الكائنات الحية رسمته بدقة النظرية الداروينة بصيغتيها البيولوجية والاجتماعية. إلاّ أن طبيعة النزاع عند الإنسان يحددها تطور المجتمع والوعي الجمعي. الصراع في المجتمعات الساكنة يكون على الغنائم والمصالح الشخصية، فلا يتطور المجتمع جراء هذه الصراعات. بينما يكون الصراع على أشده في المجتمعات المتحركة، وغالباً ما يكون الصراع على المبادئ والقيم والأفكار.

والمجتمع المتحرك لا بد أن يحوي جبهتين على الأقل ليحصل الصراع. جبهة مع، وجبهة ضد الجديد. ويسترسل الوردي في وصف الفريقين: فمن يقف ضد التغيير يكون غالبًا من أهل المصلحة والسطوة والنفوذ، فكل إصلاح جديد مربك للنظام القائم وللمجتمع. المحافظون يرفعون شعارهم عالياً «ليس بالإمكان أبدع مما كان». أما دعاة التغيير فإنهم ينشدون الإصلاح وايجاد واقع أفضل ـ كما يرون. ومن خلال هذا الصراع يتحرك المجتمع نحو الأمام.

طبيعة النزاع عند المسلمين

والمنطق القديم المنتشر في أمتنا لا يعترف إلاّ بأحادية الحقيقة. وقد نقد الوردي هذا المنطق في كتابه «منطق ابن خلدون». لذلك لم ير السلف إلاّ صحة موقفهم فيما كانوا يختلفون فيه. وعندما تغمد السيوف وتنتهك الدماء، يقول المنتصرون إننا لا نختلف على شيء، ولن نختلف. إننا أمة واحدة وعلى قلب رجل واحد، «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا». ولا تزال مواعظهم الرنانة تدعو إلى الوحدة والتمسك بالجماعة إلى يومنا هذا دون إدراك منهم أن هذا يناقض الطبيعة البشرية. نستقر هذا بوضوح في أدبيات المنتصرين وكتاباتهم عن أنفسهم وعن تاريخهم، وأن الله اصطفى بعضهم للقيام بدوره. ربما كان أبشع استغلال لنظرية الجماعة الواحدة هو ترويج الدولة الأموية لنظرية الجبر الإلهي، وأن الله اصطفى بني أمية ليحموا الإسلام والمسلمين، وبناء على ذلك فقد اتهموا كل خارج على دولتهم بالخروج عن الإسلام، ولا تزال ذات العقلية تتناسل في المجتمعات الإسلامية.

وبعد انتهاء عصر الدولة الأموية وتقادم الزمن تبلور الفقه السُني على عدم جواز الدعوة للتجديد السياسي، أي أن الخروج على الإمام القائم محرم شرعاً وذلك تحت ذرائع شتى. ولا يفوت الحذق أنهم بذلك يدفعون المجتمع للسكون وللاستكانة للواقع وشرعنته. ولم ينتشر هذا الرأي لدى أصحابه إلاّ لكونهم موظفين عند الدولة القائمة، مستفيدين من الوضع القائم، وبذلك ينضمون للفئة المحافظة الرافضة للنزاع.

لكن المجتمعات الحديثة أدركت حتمية حقيقة التنازع فاعترفت به وسمحت له، ونظمته في أطر سياسية واجتماعية واضحة، أبرزها ما بات يعرف اليوم بالديمقراطية حيث تتنازع الأحزاب في الأفكار والسياسيات ثم يحكم الشعب بالأغلبية لأحدهم ضد الآخر.

رسالة الدين عند الوردي

لا شك أن الوعاظ الدينين يحاولون دعوة الناس للمثل العليا التي تحض عليها الأديان. إلاّ أن الوردي يشدد على أن من يحاول تغيير طبيعة الإنسان بالموعظة والكلام المجرد لا ينجح. يستمع الناس له بوقار وربما تسيل بعض الدموع حين يُذكرون بالعذاب لكن الناس لا تلبث تركض وراء الدنيا بعد سماع الموعظة.

يعتقد الوردي أن القرآن به أكثر من المواعظ الدينية، ففيه دعوة للحراك الاجتماعي الأزلي بين الظالم والمظلوم، والمترف والفقير: «التاريخ في القرآن عبارة عن صراع مرير بين رجال من طراز فرعون ورجال من طراز موسى. وهذا الصراع المرير به مبادئ الحركة والتدافع الاجتماعي. يناشد المسلمون اليوم العلماء أن يقتبسوا من القرآن أسس علومهم وأدلة نظرياتهم العلمية. وهم بهذا يخدرون عقول المسلمين ويجعلونهم راضخين لجور الحكام بإهمالهم ما جاء به القرآن من مبادئ الحركة والتدافع الاجتماعي». ويقول أيضاً: إن «كل دين يحتوي على ظاهر وباطن. الباطن يتمثل بالمبادئ الاجتماعية التي جاء بها النبي. ولا يكاد يمر الزمن على الدين حتى يستلم زمامه الكهان، وعندئذ ينسى الناس مبادئ الدين الأولى ويهتمون بالطقوس الشكلية؛ إذ يتخيلون الله كأنه سلطان من السلاطين لا يريد من رعيته سوى إبداء الخضوع له ولا يبالي فيما سوى ذلك بشيء. والمُلاحظ أن المترفين هم أقدر الناس على القيام بالطقوس الشكلية، فيشيدون المساجد والأوقاف، فيخيل للناس أنهم أقرب إلى الله من غيرهم، ولعلهم يعتقدون أن الله مترف مثلهم».

مراجعة الاشكاليات التاريخية

بالعراق طائفتان كبيرتان: سنة وشيعة. وقد نشأ الوردي في إطار هذا المجتمع المتمايز.ولا يفوت القارئ الصراع الدموي الذي شهده العراق في السنوات الماضية وقد دار بين هاتين الطائفتين. يرجع علي الوردي لبدايات التاريخ الإسلامي وأزماته التي أنتجت لنا إشكاليات عميقة. إنه يستطلع ظواهر هذا التاريخ وفقا لأسس علم الاجتماع.

لاحظ علي الوردي أن المسلمين أثناء دراستهم للتاريخ ركزوا على الشخوص دون المبادئ، فهم يهتمون بأن يكون فلان أحب عند الله من فلان، أو أن فلان أشجع أو أعلم من فلان آخر. هذه القراءة للتاريخ لا تفيدهم في شيء بل تزيدهم تفرقة. ثم يلاحظ الوردي مرة أخرى البغضاء الكبيرة بين شيعة علي، وشيعة عمر رغم أنهما ينتميان لمدرسة محمد بن عبدالله.

يعتقد الوردي أن المبادئ الاجتماعية التي سار عليها أبو بكر وعمر وعلي هي واحدة في حقيقتها، ولا بد من تفاوت واختلاف في تطبيقها بسبب اختلاف الظروف والطبيعة الفردية. لذلك لا معنى هنا لدراسة التفاضل بين هؤلاء. «لكن دراسة النزاع بين علي ومعاوية مهم لمعرفة التصادم بين مبدئين متضادين أحدهما يحرص على الأموال العامة، والآخر يريد أن يقسم أموال الأمة حسب مصالحه». الفرق كبير إذن ـ حسب الوردي ـ في نهج الحكم بين هؤلاء ومعاوية، لكن صراع الأتباع لم ينشأ بين هؤلاء الطرفين، لقد نشأ بين أصحاب المدرسة الواحدة، فما السبب؟

يتتبع الوردي الروايات التاريخية جيداً في كتابه هذا ليخرج بنتيجة تشير بأصابع الاتهام إلى بني أمية، ومعاوية خصوصاً في تكريس وترسيخ الافتراق بين الجماعات الإسلامية منذ بدايات التاريخ الإسلامي. فمعاوية الداهية هو أول من اخترع مصطلح «الصحابة» ليرفعه ضد شعار «المهاجرين والأنصار» الذي رفعه علي بن أبي طالب. ثم يربط الوردي كذلك بين تكرار بعض المرويات عن الرسول التي تدعو ـ ولو من طرف خفي ـ لإطاعة معاوية. يقول الوردي: «نشأ مصطلح الصحابة مع معاوية لخلق شرعية له، في مقابل مصطلح المهاجرين والأنصار. وجاء أبو هريرة بحديث لمعاوية «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» ليقول معاوية لعلي: عندي من الصحابة ما عندك. لا ضير إن كانوا ممن قاتلوا النبي أو قاتلوا معه».
إن تحول طبيعة الدولة في عصر معاوية من دولة تقوم على العدالة الاجتماعية والمالية إلى دولة تستأثر بالفيء والغنائم وترسخ التفرقة العنصرية أدى لنشوء معارضة مسلحة ضد الدولة الأموية اتخذت من عليّ وبنيه رموزاً لها. استلهم الثوار القيم التي نادى بها علي وعمار وأبو ذر في دعايتهم، واستطاعوا أخيرًا القضاء على الدولة الأموية إلاّ أن هذا وقع بعد حصول الافتراق بين هذه الجماعات الإسلامية.

إن طبيعة الظلم الاجتماعي والمالي واحدة مهما اختلفت الشعارات والممارسات. الشيعة المعارضون للدولة الأموية ليسوا هم الشيعة الذين أتوا في العصور اللاحقة. يعتقد الوردي ألاّ فرق بين الشيعة المتأخرين وبين نظرائهم من المذاهب الأخرى، فهم جميعًا نسوا المبادئ التي نادى إليها أصحابهم، وتفرغوا للتعصب للظالمين كلٌ من شيعته. يقول الوردي: «الشيعة يحيّون ناصر الدين شاه، ويكرهون هرون الرشيد مع أن كليهما كانا ينهبان أموال الأمة ويشتريان الجواري ثم يبكيان بعد ذلك من خشية الله».

اختلاف اليوم

لقد تغير العالم حقا عما كان عليه قبل قرون. لقد ماتت أفكار عديدة مثل: نظرية الحكم الإلهي، و نظرية الخلافة –وإن لم ينقح التراث منها. إن كان الحاكم في قديم الزمان يحكم باسم النص الديني، فإنه في عالم اليوم يحكم بعدد الأصوات التي يفوز بها. إلاّ أن هذه الديمقراطية ليست شعاراً جميلاً نشاهده في نشرات الأخبار، بل ينبغي أن تكون مسلك حياة لمريديها. ومسلك الحياة لن يسلك دون وعي الناس به وإيمانهم بضرورته.
هذه النفرة باتجاه الديمقراطية في عالم اليوم، تدفعها شعور الجماهير بالظلم. وربما لا يكون الظلم مباشرًا على الجماعة بقدر ما هو شعور بحالة عامة من الظلم والغبن تتأتى من أحداث قد تكون فردية.
إن الانقسام الكبير في المجتمع العراقي بسبب الافتراق المذهبي ستزول آثاره –كما يظن الوردي ـ بانتهاج الديمقراطية كمنهج حكم، ونسبية الحقيقة كركيزة لإعادة قراءة الماضي وتمحيصه لحاضر ومستقبل أفضل.


الخميس، 28 مايو 2009

دفاعاً عن الدين

دفاعاً عن الدين



في هذا المقطع يستعرضُ الأب بارون فيلم "ملائكة وشياطين" لدان براون لينتقد "أسطورة" عرقلة الدين -الكاثوليكي- للتقدم العلمي. إنه يقول أن الدين من الله، واللهُ العالِمُ لا يناقضُ ما خلقه... مقطع مثير للاهتمام.