الاثنين، 25 أغسطس 2008

عنترة بن شداد بين التوحيد والإشراك 2-3



الأسباب:

إن نشوء ظاهرة عنترة لاتعزى فقط إلى عامل واحدٍ، بل يمكننا الرجوع بها إلى عدة عوامل تظافرت وتتابعت على مرّ العصور لتنتج لنا هذه الخاصية المجتمعية التي أحسب أننا بتنا نتفرد بها على مستوى العالم.

1. طبيعة المجتمع والقيم البدوية:

إن المراقب لتركيبة المجتمع يشاهد دون أيّ ريبة غلبة الطابع البدوي والريفي على المجتمع. فالمجتمع عندنا يحتوي الثنائية المتناقضة (بدو وحضر). البدو بقبائلهم ومناطقهم الشاسعة في جغرافية المجتمع، أمّا الحضر فلهم أيضًا تلك الميزة من توافر محيط معينٍ لهم. الناظر لتاريخنا القريب جداً يرصد غلبة الطابع البدوي (مساحةً وسكاناً وتأثيراً) على هذه المجتمعات. أما الحضر فهو بتقديري ينقسم إلى قسمين متباينين في ذات الوقت: قسم يعيش ويسكن المدينة، معتمداً في زرقه على الصناعة والتجارة مع الداخل والأمم الأخرى، وقسم آخر يعيش في الريف ممتهناً الزراعة. يشير ابن خلدون في مقدمته إلى أن القسم الأول من سكان المدن هو أكثر ميلاً للانفتاح على الآخر، وهو أيضًا يعيش في محيط تداعى فيه النظام القبلي تداعياً كبيراً، فالقبيلة تختفي في المدينة وتنتهي عصبيتها. أمّا أهل الريف المزارعون فهم أقرب إلى البدو في نظامهم القبلي. إن هذه الثنائية التي يتميز بها أهل الحضر أضعفت تأثيرهم في المجتمع وهمّشته، وعليه همّشت دورهم وتأثيرهم الثقافي.

مال البدو – في أيامنا- إلى الاستقرار الحضري، لكن القيم والعادات الثقافية البدوية مازالت ماثلة في سلوكهم وعقليتهم وتصرفاتهم رغم تحضرهم الظاهري. يقول سيجموند فرويد في كتابه موسى والتوحيد: "إن جميع الشعوب المتمدنة الكبيرة بلا استثناء تقريباً قد عظمت في الشعر والأسطورة من باكر الأزمان أبطالها:الملوك، والأمراء الأسطوريين، مؤسسي الديانات أو السلالات الملكية أو الحواضر، وباختصار أبطالها القوميين". هذا التعظيم والتقدير الشديد يطابق واقع البدو الثقافي الذي يميل إلى التشبث وتعظيم وتقدير شيخ القبيلة، باعتباره رمزاً أبوياً لقبيلته وحصناً منيعاً ضد الأعداء. لهذا، فعند استقرار البدو يظل هذا الشعور وهذه العقيدة ثابتة لديهم ومعرضة بشدة للإنتقال والتوريث للأجيال القادمة. وما يساهم في تعزيز هذا الشعور هو انضواء الشيوخ التقليدين للقبائل تحت عباءة الشيخ الجديد للمجتمع المعاصر.

المميز في هذه الثنائية أن الحضر المشتغلين بالتجارة والمهن اليدوية والمشمولين بذلك الاحتكاك الحضاري مع الشعوب الأخرى لايميلون إلى الإيمان بأساطير القبائل بسبب عدم تعرضهم لبيئة القبائل وتراثها الثقافي بشكل كبير. لهذا فسكان الحضر لايؤمنون بعنترة إيماناً مباشراً إلاّ إذا ارتبط ذلك بمنفعة مادية كعادة التجّار دائماً. أما أهل الوبر فيتشبثون بتلك القيم ويورثونها إلى أبنائهم، وهذا ما يفسر دعم الحكام والمتنفذين لشيوخ القبائل مادياً وتدعيم سلطتهم المعنوية في محيطهم القبلي.

2. الدين:

مما لاشكّ فيه أن للدين خصوصية كبيرة في الواقع والنفسية العربية. أيضًا يمكننا القول أن الترسبات الدينية تساهم في تحديد مسار الوعي والإدراك لدى الفرد. وفي هذا الإطار يشير حسن حنفي في كتاب حوار المشرق والمغرب إلى تأثير حديث الفرقة الناجية على المجتمعات العربية، فهذا الحديث أدّى إلى تكفير وتخوين الفرق المعارضة للدولة. ولهذا لايحتكر المعرفة الحقة والصائبة في مجتمعاتنا إلاّ الدولة، وكل من عاداها فهو في النار. ومن نتائج هذه الثقافة إلغاء الحوار وقيمه الفكرية وعليه أُلغيت التعددية، وأوجبت أحادية الآراء والفكر. فصرنا نحافظ على وجود عنترة واحد لايمكن تكراره أو مخالفته.

وبظني أن التزاوج المحرم بين الدولة والدين وقع في عهد معاوية حين رفع المصاحف ليحتكم إليها، ثم يتخذها مرجعاً ظاهرياً لحكمه الراشد. ومنذ تلك اللحظة كان لكل حاكم حاشية من رجال الدين يضفون الشرعية اللازمة عليه ويتهمون تلقائياً المارقين عليه بالردة. ونتاجاً لذلك فقد انتهى الاجتهاد السنيّ في العصور المتأخرة من القرون الوسطى إلى الإجماع على تحريم الثورة ضدّ السلطان ووجوب طاعة وليّ الأمر مهما كان ظالماً أو فاسقاً كما يشير د.علي الوردي. وفي هذا يقول أحد الفقهاء:

وطاعة من إليه الأمر فالزمِ ... ... وإن كانوا بغاةً فاجرينا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق