الاثنين، 18 أغسطس 2008

ما هو الوطن؟


ما هو الوطن؟

يخطيء من يظن أن الإجابة سهلة وبسيطة. المتشردُ واللاجيء يسأل ما هو الوطن؟ والمسلوب الحرية في "وطنه" يسأل ما هو الوطن؟ وهل نصيبه من الوطن خفي حُنين؟

هل الوطن الأرضُ أم المباديء والقيم التي يؤمن بها الإنسان؟

إن كان الوطن أرضًا، فأيُ الأراضي هو، أرضُ المولد أم أرض المهجر أم أرض الممات؟

يسأل محمود درويش هذا السؤال الملح في "يوميات الحزن العادي" أثناء حصار بيروت في ثمانيات القرن الماضي. كان درويش فلسطينياً، لكنه طُرد من أرض المولد. اتخذ بيروت وطناً ليُطرد منها مجدداً مع عرفات وبقية الأصحاب. يقول درويش ما هو الوطن؟ ويجيبُ تلقائياً:

الخريطة ليست إجابة, وشهادة الميلاد صارت تختلف. لم يواجه أحد هذا السؤال كما تواجهه أنت منذ الآن والى أن تموت, أو تتوب أو تخون. قناعتك لا تكفي لأنها لا تغير ولا تفجر ولأن التيه كبير.. ليست الصحراء أكبر من الزنزانة دائماً، ومن أبسط الأمور أن تقول أيضاً: وطني حيث أموت..ولكنك قد تموت في أي مكان وقد تموت على حدود مكانين فماذا يعني ذلك؟وبعد قليل.. سيصبح السؤال أصعب.

**

أمل دنقل بدوره يحاول الإجابة على هذا التساؤل المحير. استحضر دنقل قصة ابن نوح عندما رفض الهروب إلى السفينة مفضلاً البقاء في الوطن. لا..لا..هذه الصورة ناقصة. أمل دنقل قصد نفسه في قصيدته، فجعل نفسه ابن نوح ذلك الأديب الصابر الذي لم يهرب من مصر عندما جاءها طوفان السادات كما فعل بقية الأدباء والمثقفين الذين هربوا إلى الدول الأخرى، عفواً إلى سفينة نوح. لقد ارتبط أمل دنقل بالأرض، حتى وإن هُدمت، وإن نهبت. كانت مصر وطنه، ومات على ذلك.

جاء طوفانُ نوحْ!

المدينةُ تغْرقُ شيئاً.. فشيئاً

تفرُّ العصافيرُ, والماءُ يعلو..

على دَرَجاتِ البيوتِ- الحوانيتِ - - مَبْنى البريدِ - - البنوكِ - - التماثيلِ (أجدادِنا الخالدين)-- المعابدِ - - أجْوِلةِ القَمْح - - مستشفياتِ الولادةِ - - بوابةِ السِّجنِ - - دارِ الولايةِ - أروقةِ الثّكناتِ الحَصينةْ.

العصافيرُ تجلو.. رويداً.. رويدا..

ويطفو الإوز على الماء, يطفو الأثاثُ.. ولُعبةُ طفل..

وشَهقةُ أمٍ حَزينة

الصَّبايا يُلوّحن فوقَ السُطوحْ!

جاءَ طوفانُ نوحْ.

هاهمُ "الحكماءُ" يفرّونَ نحوَ السَّفينةْ

المغنونَ- سائس خيل الأمير- المرابونَ- قاضى القضاةِ (.. ومملوكُهُ!) حاملُ السيفُ - راقصةُ المعبدِ(ابتهجَت عندما انتشلتْ شعرَها المُسْتعارْ)- جباةُ الضرائبِ - مستوردو شَحناتِ السّلاحِ - عشيقُ الأميرةِ في سمْتِه الأنثوي الصَّبوحْ!

جاءَ طوفان نوحْ.

ها همُ الجُبناءُ يفرّون نحو السَّفينةْ.

بينما كُنتُ..

كانَ شبابُ المدينةْ

يلجمونَ جوادَ المياه الجَمُوحْ

ينقلونَ المِياهَ على الكَتفين.

ويستبقونَ الزمنْ

يبتنونَ سُدود الحجارةِ

عَلَّهم يُنقذونَ مِهادَ الصِّبا والحضارة

علَّهم يُنقذونَ.. الوطنْ!

.. صاحَ بي سيدُ الفُلكِ - قبل حُلولِ

السَّكينة:

"انجِ من بلدٍ.. لمْ تعدْ فيهِ روحْ!

" قلتُ: طوبى لمن طعِموا خُبزه.. في الزمانِ الحسنْ

وأداروا له الظَّهرَ

يوم المِحَن!

ولنا المجدُ - نحنُ الذينَ وقَفْنا

(وقد طَمسَ اللهُ أسماءنا!)

نتحدى الدَّمارَ..

ونأوي إلى جبلٍِ لا يموت

(يسمونَه الشَّعب!)

نأبى الفرارَ..

ونأبى النُزوحْ!

كان قلبي الذي نَسجتْه الجروحْ

كان قَلبي الذي لَعنتْه الشُروحْ

يرقدُ - الآن - فوقَ بقايا المدينة

وردةً من عَطنْ

هادئاً..

بعد أن قالَ "لا" للسفينهْ

.. وأحب الوطن!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق