الاثنين، 28 ديسمبر 2009

السنة تمضي

السَنَــةُ تمضي


المجدُ للهِ في الأعالي
وعلى الأرضِ السلام
وبالناسِ المسرة

.. المكان فاض بالحضورِ. صوتُ الأرجن وجوقة الأناشيد صدحا بصوت مهيب من مكان عال في تلك الكنيسة. الكاهنُ أمام المذبح ماسكاً الكتاب المقدس بيده، والحضور ينظرُ إليه.

الكاثوليكُ يتأهبون للمُضي اتجاه الكاهن، ليشربوا خمراً، ويأكلوا كسرة خبز، عسى أن يغفر لهم المسيحُ أخطاء سنة تنقضي. عسى أن تتنزلَ الصلوات والرحمات على المخطئين. أولئك الذين لم يحصلوا على هدية في الكريسماس، فليذكروا أن المسيح هو هديتهم، هو مصدر سعادتهم الآخرة والعاجلة، هكذا قال الكاهن العجوز للحضور.

كنتُ هناك حاضراً كأي إنسان، كأي المؤمنين أو غير المؤمنين الذين حضروا. ها هي السنة تمضي، أيام قلائل ويبدأ تقويم جديد، سنة جديدة. ماذا يتجددُ من الإنسان في السنة الجديدة؟ أتحلُ عليه الرحمة من الله؟ أم يرحمُ الإنسان نفسه؟

أنظر الآن للسنة المنقضية، ما فيها؟ وما تعلمتُ منها؟ وما هي التجاربُ التي خضتُها فأنضجتني؟ أو التي رأيتُ نفسي فيها متهوراً، أو حتى أحمقاً؟ ما هي القرارات التي اتخذتُها عن وعي، وأتحملُ تبعاتها؟ ما هو كم المعرفة الذي أضفتهُ لنفسي؟ وهل كان ذلك مهماً حقاً؟

ألقتْ عصاها.. واستقرَ بها النوى
.. كما قرَ عيناً.. بالإيابِ المُسافرُ..

.. بالبيئة التي نشأنا بها، تختلطُ المفردات بالشخوص، فيضيعُ المعنى. يتلاشى المعنى لكلمات مثل: صداقة، حب، ود.. إلخ. كل معرفة تحولها البيئة واللغة إلى صداقة. والصداقة ليست من الصدقِ هُنا. إنها شيء آخر، لكنها ليست صداقة. الصداقة ليست صداقة، درس مهم تطرحه الحياة لعابريها. أيُ دمار قد يجلبه الإنسان لذاته حينما تختلُ لديه المفاهيم، والدلالات؟ لكن لم يعرفُ إنسان آخر؟ هل بحثاً عن الصداقة؟ لا أعتقد. إنها المنفعة التي تؤلفُ بينهم. والمنفعة ما تنفعُ الناس حاضراً أم عاجلاً.

لستُ أدري

.. البيئة تحدد ثقافة الإنسان. الإنسان لا يفهم ما لا يألفه. كيف يمكن أن ينشأ حوار بين إنسانين ينتميان لثقافتين مختلفتين. لا يمكن. وإن حدث فلن يكون حوار، سيكون صخباً. ما لم يكتسب الإنسان قيماً تعينه على فهم الآخرين، واحترامهم فما فائدة الحديث معه؟ ما جدوى الحديث إذن؟

في لُجة الرعب العميق والفراغ والسكون
ما غاية الإنسان من أتعابه؟ ما غايةُ الحياة؟

.. يقول من لا أذكرُ اسمه أن نعيم الجنة هو السكون، في اللاحركة، في اللامشكلة، واللاصخب. إنه سكون الفردوس. وأسألُ نفسي، ما جدوى الحياة إن كان نعيم الآخرة هو السكون؟ الجنين ساكن لتسعة أشهر أيضًا، وسفينة محطمة أمام البحر ساكنة أيضًا، وميت في قبره ساكن منذ القرون البعيدة (لا معنى للزمن عنده). ما هو أقصى دعة قد يصل إليها إنسان في الحياة قبل الممات؟

قبل أسابيع رأيتُ العجوز توماس على شاطيء للبحر، كان مع كلبه. خرج من فناء قديم، يضمُ كوخاً بسيطاً. سألناه على مهل عن عيشته على البحر. أجاب أنه استقال من الحياة، وهرب إلى هُنا وحيداً مع كلبه ليقضي بقية حياته في هدوء. إنه هدوء الجنان، هدوء اللاصخب، هدوء الخروج من الحيـاة. فما جدوى الحياة؟

ضد من؟
ومتى القلبُ في الخفقانِ
اطمأن؟

.. مكتبة واسعة. تحوي معارف الحياة، وخبرات الإنسان، تمنى بعض الناس توفرها، لقرائتها، والوصول للمعرفة الكاملة. إنها العشرية الثانية من هذا القرن، والمكتبة الحقة لن تكون مكتبة صنعها الإنسان، بل ما كتبتها الطبيعة في الخلية الحية. ملايين من الشفرات، ملايين من العمليات الحيوية، ملايين من الألغاز وتصورات الإجابات عليها. من يعرفُ قراءة الشفرة سيقرأ الإنسان، وسيقرأ الطبيعة. من يُدركُ ذلك سينظرُ إلى نفسه، كشيء مبرمج أمكن أن يكون مختلفاً إن اختلفت الاحتمالات. ما هي نظرة الإنسان لذاته إن علِمَ منقلبه في الحياة منذ سنواته الأولى من خلال المكتبة التي يحملها في جسده.؟

ليس لي وطن
يمكنك زرع عظامي إلى جانب أي نهر

.. زمن العولمة أتى منذ عقد أو عقدين. والعولمة ليست تجارة فقط أو تبادل للخدمات، إنها تثاقف، أو ثقافة الأقوى. إنها تغير المفاهيم، والقيم. هناك من لا يفهم، فيمسكُ الماضي، لكن الحاضر يتغير والمستقبلُ. في هذا الزمن المنبسط، زمن حركة الناس بين الأراضين السبع، ما هو مفهوم الوطن؟ أيشكلُ الانتماء لوطن الإنسانَ -إن توافقنا على مصطلح الوطن-؟ لقد تحول اسم الوطن وشعارهُ شيئاً فشيئاً إلى سلع استهلاكية تقدم للناس. وقد يقدم إليهم سم شعاره الوطن، أويكتب اسم الوطن في ثنايا أسطر بصحف بها مشاكل الناس، ليكون الأول وطني، والآخر وطني، والقاريء ليس كذلك. في هذا الزمن (المنتمى لآخر الزمان حسب علامات الساعة الصغرى) ما هو الوطن إن قامت الساعة؟ أو .. هل له من داعٍ؟ الأرضُ أرحب من السماء للإنسان، فهل يرى الإنسانُ ذلك؟

..لستُ أعمى
لأُبصرَ ما تبصِرونَ
فإنًَ البصيرة نور يؤدي
إلى عدمٍ أو جُنون

هناك 3 تعليقات:

  1. ما هو الوطن إن قامت الساعة؟ أو .. هل له من داعٍ؟ الأرضُ أرحب من السماء للإنسان، فهل يرى الإنسانُ ذلك؟


    أسئلة عميقة يا حمد



    كل عام وأنت بخير مقدما
    أرجو أن يكون العام القادم مليء بالنجاح والتميز والأحلام المتحققة

    ردحذف
  2. ما هو الوطن إن قامت الساعة؟ أو .. هل له من داعٍ؟ الأرضُ أرحب من السماء للإنسان، فهل يرى الإنسانُ ذلك؟


    أسئلة عميقة يا حمد



    كل عام وأنت بخير مقدما
    أرجو أن يكون العام القادم مليء بالنجاح والتميز والأحلام المتحققة

    ردحذف
  3. رائع

    و لكن

    هون عليك

    الحياه ارحب مما ترى عيناك سيدي

    ردحذف